تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
الْأطراف . آخر ما جرى من ذَلِكَ بعد وفاته أَنَّ ملك الروم كَيْقُباذ خطب إلى الملك الكامل أخته ، واحتفل احتفالًا شديدًا ، واجتمع في العرس ملوك وملكات . وَكَانَ العادل قد أوقع اللَّه بُغضته في قلوب رعاياه ، والمخامرة عَلَيْهِ في قلوب جُنده ، وعملوا في قَتْله أصنافًا من الحِيلَ الدَّقيقة مرّات كثيرة . وعندما يُقَال : إِنَّ الحيلة قد تمّت ، تنفسخ ، وتنكشف ، وتحسم موادّها . ولولا أولاده يتولون بلاده لَمَا ثبت ملكه بخلاف أخيه صلاح الدِّين فَإِنَّهُ إنّما حفظ ملكه بالمحبَّة لَهُ ، وحُسن الطّاعة ، ولم يكن - رحمه اللَّه - بالمنزلة المكروهة ؛ وإنّما كَانَ النَّاس قد ألفوا دولة صلاح الدِّين وأولاده . فتغيّرت عليهم العادة دفعة واحدة ، ثُمَّ إن وزيره ابن شُكر بالغ في الظُّلم وتفنَّن . ومن نيّاته الجميلة أَنَّهُ كَانَ يعرف حقَّ الصُّحبة ، ولا يتغيّر عَلَى أصحابه ، ولا يضْجر منهم ، وهم عنده في حَظْوة . وَكَانَ يواظب عَلَى خِدمة أخيه صلاح الدِّين ؛ يكون أَوَّل داخل وآخر خارج ؛ وبهذا جَلَبَهُ ، فَكَانَ يشاوره في أمور الدَّوْلَة لِما جرَّب من نفوذ رأيه . وَلَمَّا تسلطن الْأفضل بدمشق ، والعزيز بمصر ، قَصَد العزيز دمشق ، وذاقَ جندهُ عليها شدائد ، فرحل عَنْهَا ، ثُمَّ حاصرها نَوْبة ثانية ومعه عمُّه العادل فأخذها ، وعُوِّض الْأفضل بصرخد ، ولم يزل العادل يَفْتل في الذّروة والسنام ، حتى أقطعه العزيز دمشق وَهِيَ السبب في أنْ تملَّك البلاد كُلّهَا . وأعطى ابن أَبِي الحجّاج - يعني كاتب الجيش - لَمَّا جاءه بمنشورها ألف دينار . ثُمَّ أخذ يدقّق الحيلة حَتَّى يستنيبه العزيز عَلَى مِصْر ، ويقيم هُوَ بدمشق يتمتع في بساتينها بعضُ أصحابه فرمى قُلُنسوته بين يديه ، وَقَالَ : ألم يكفِك أنك أعطيته دمشق ، حَتَّى تُعطيه مِصْر ؟ فنهض العزيز لوقته عَلَى غرة ولحق بمصر . ثُمَّ شغّب الْجُند ، وجرت أمور إلى أن اجتمع الْأفضل والعادل ، وقصدا مصر ، وخامر جميع الأجناد عَلَى الملك العزيز ، وصاروا إلى الأفضل والعادل ، حَتَّى خلت مِصْر والقاهرة منهم ، وتهدَّمت دولة العزيز ، ثُمَّ أصبحت ، وقد عادت أحسن ممّا كانت ، وصار معه كلّ من كَانَ عَلَيْهِ ، ورجع الملك العادل في خدمته ، وردَّ الْأفضل إلى الشَّام .