زحفًا شديدًا ، وأشرفوا عَلَى أَخْذَ البلد ، فطلب المسلمون منهم الأمان عَلَى أن يُسلموا إليهم عكا ، ومائتي ألف دينار ، وألفًا وخمسمائة أسير ، ومائة أسير منَ الأعيان ، وصليب الصَّلبوت . فوقع الأمان عَلَى ذَلِكَ ، وأخذوا رهائن عَلَى تمام القطيعة ، وملكوا عكّا . فَلَمَّا كَانَ فِي ثامن رجب جاءت رُسلهم لذلك ، فأحضر السّلطان مائة ألف دينار ، وصليب الصَّلبوت ، والأسارى ، فأبوا إلا جميع المال ، واختلف الأمر نحو شهر ، ثمّ كمل لهم المال ، وأحضر إليهم صليبهم ، وكانوا قد ظنُّوا أن السّلطان فرَّط فِيهِ ، فَلَمَّا عاينوه خروا لَهُ سُجَّدًا . ثُمَّ ظهر للسّلطان غدرهم ومكْرهم ، فتوقَّف فِي إمضاء المقرر .
قَالَ ابن شدّاد فِي " سيرة صلاح الدّين " : " إن الذين بعكا بذلوا للفرنج البلد بما فِيهِ منَ السلاح والآلات والمراكب ، ومائتي ألف دينار ، وخمسمائة أسير ، ومائة أسير يقترحونهم معروفين ، وصليب الصَّلَبُوت ، عَلَى أن يخرجوا بأموالهم وأهلهم ، ويعطوا للمركيس الَّذِي توسَّط بينهم أربعة آلاف دينار ، فَلَمَّا وقف السّلطان على هذا أنكره وعظُم عليه ، وجمع أَهْل الرأي ، واضطربت آراؤهم ، وتقسَّم فكره ، وعزم عَلَى أن يكتب في تِلْكَ الليلة ينكر عليهم المصالحة ، وبقي مترددًا ، فلم يشعر إلا وَقَدِ ارتفعت صلبان الكُفْر عَلَى البلد ، ونارهم وشعارهم عَلَى السور ، وذلك ظُهْر يوم الجمعة سابع عشر من جُمادى الآخرة ، وصاح الفرنج صيحةً واحدة ، وعظُمت المصيبة عَلَى المسلمين ، ووقع فيهم البكاء والنحيب ، فإنا للَّه وإنا إِلَيْهِ راجعون .
وخيَّمَ ملك الأنكتير بيافا ، وشرعوا فِي عمارتها . ثُمَّ راسل ملك الأنكتير السّلطان في طلب الهدنة ، فكانت الرسل تتردَّد إلى الملك العادل ، فتقررت القاعدة أن ملك الأنكتير يزوِّج أخته بالملك العادل ، ويكون القدس وما بأيدي المسلمين من بلاد الساحل للعادل ، وتكون عكّا لأخت ملك الأنكتير مضافًا إلى مملكةٍ كانت لها داخل البحر قَدْ ورثتها من زوجها . وأجاب صلاح الدّين إلى ذَلِكَ ، فاجتمع الرهبان والقِسِّيسون ، وأنكروا عَلَى الملكة ، ومنعوها منَ الإجابة . ثُمَّ إن الفرنج نوهوا بقصد بيت المقدس ، فساق صلاح الدّين إلى
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 708
مساهمون: الذهبي
ص٧٠٨