وقُتِل منَ الفِرَنج خلقٌ منَ الإسبِتار ، وأسروا خلقًا .
وأسرع السّلطان حَتَّى نزل بعشترا ، وعرض العساكر وأنفق فيهم ، وسار بهم وَقَدْ ملأوا الفضاء فنزل الأرْدُنّ ، ونزل مُعظم العساكر . وسار إلى طبريَّة فأخذها عَنْوةً ، فتأهَّبت الفِرَنج وحشدوا ، وجاءوا من كُلّ فجّ وأقبلوا ، فرتَّب عساكره فِي مقابلتهم وصابَحهم وبايتَهم .
وكان المسلمون اثني عشر ألف فارس وخلقٍ منَ الرجَّالة . وقيل : كَانَ الفِرَنج ثمانين ألفًا ما بين فارسٍ وراجلٍ . والتجؤوا إلى جبل حطين ، فأحاط المسلمون به من كُلّ جانب ، فهرب القومُّص لعَنه اللَّه ، ووقع القتال ، فكانت الدّائرة عَلَى الفِرَنج ، وأُسِر خلقٌ منهم الملك كي ، وأخوه جفْري ، وصاحب جُبيل ، وهنْفري بْن هَنفري ، والإبرِنْس أرناط صاحب الكَرَك ، وابن صاحب إسكندَرونة ، وصاحب مَرَقيَّة .
وما أحلى قول العماد الكاتب : " فَمَن شاهد القَتْلَى يومئذٍ قَالَ : ما هناك أسير ، ومَنْ عايَنَ الأسرى قَالَ : ما هناك قتيل .
قُلْتُ : ولا عَهْد للإسلام بالشّام بمثل هَذِهِ الوقعة من زمنَ الصّحابة . فقتل السّلطانُ صاحبَ الكَرَك بيده لأنه تكلَّم بما أغضب صلاح الدّين ، فتنمّر وقام إليه فطيَّر رأسه ، فأُرعب الباقون .
وقَالَ ابن شدّاد : بل كَانَ السّلطان نَذَر أن يقتله لأنه سار ليملك الحجاز ، وغَدَرَ وأخذ قَفْلا كبيرًا ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ مقدَّم الفِرَنج نوبةَ الرملة لمّا كبسوا السلطان صلاح الدّين وكسروه سنة ثلاثٍ وسبعين ، وكان أرناط فارس الفِرنج فِي زمانه ، وَقَدْ وقع فِي أسْر الملك نور الدّين ، وحبسه مدَّةً بقلعة حلب . فَلَمَّا مات نور الدّين وذهب ابنه إلى حلب وقصده صلاح الدّين غير مرةٍ ليأخذ منه حلب أطلق أرناط وجماعةً من كبار الفرنج ليُعِينوه عَلَى صلاح الدّين ، ثُمَّ قيَّد جميع الأسارى وحُملوا إلى الحصون ، وأخذ السّلطان يومئذٍ منهم صليب الصَّلَبُوت ، وكانت وقعة حِطّين هَذِهِ فِي نصف ربيع الآخر ، ولم ينْجُ فيها منَ الفِرَنج إلا القليل ، وهي من أعظم الفتح في الإسلام ، وقيل : كان الفرنج أربعين ألفًا ، وأبيع فيها الأسير بدمشق بدينار فللَّه المنة .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 674
مساهمون: الذهبي
ص٦٧٤