والتّخمين . فَلَمَّا كَانَتِ اللّيلة الّتي عيَّنها المنجّمون لمثل ريح عاد ، ونحن جلوسٌ عِنْد السّلطان ، والشُّموع توقد ، وما يتحرَّك لنا نسيم ، ولم نرَ ليلةً مثلَها فِي ركودها ، وعمل فِي ذَلِكَ جماعةٌ منَ الشّعراء . فمما عمل أَبُو الغنائم محمد ابن المعلّم فيما ورَّخه أبو المظفَّر السبط فِي المرآة :
قُلْ لأبي الفضْل قَولَ معترفٍ . . . مضى جُمادى وجاءنا رَجَبُ
وما جرت زعزعا كَمَا حكموا . . . ولا بَدَا كوكبٌ لَهُ ذَنَبُ
كلاَّ ، ولا أظلمت ذُكاء ولا . . . أبدت أذىً في قرانها الشُّهُبُ
يقضي عليها من لَيْسَ يعلم ما . . . يُقضى عليه هَذَا هُوَ العَجبُ
قَدْ بان كذِبُ المنجّمين وفي . . . أي مقال قالوا وماكذبوا ؟
قَالَ ابن البُزُوريّ : وَفِي يوم عاشوراء سنة اثنتين قَالَ مُحَمَّد بْن القادسيّ : فُرِش الرَّماد فِي الأسواق ببغداد ، وعُلِّقت المُسُوح ، وناح أَهْل الكَرخ والمختارة ، وخرج النّساء حاسراتٍ يَلْطمْن ويَنُحْن من باب البدريَّة إلى باب حجرة الخليفة ، والخِلَع تُفاض عليهنّ وعلى المُنْشِدين منَ الرجال ، وتعدّى الأمر إلى سبِّ الصّحابة . وكان أَهْل الكرْخ يصيحون : ما بقي كتمان . وأقاموا ابنة قرايا ، وكان الظّهير ابن العَطَّار قَدْ كبس دار أبيها ، وأخرج منها كُتبًا فِي سبّ الصّحابة ، فقطع يديه ورِجْلَيه ، ورجمته العوامّ حَتَّى مات ، فقامت هَذِهِ المرأة تحت منظرة الخليفة وحولها خلائق وهي تنشد أشعار العوْني وتقول : العنوا راكبةَ الجمل . وتذكر حديث الإفْك ، قَالَ : وكلّ ذَلِكَ منسوبٌ إلى أستاذ الدّار ، وَهُوَ مجد الدّين ابن الصّاحب ، ثم قُتِل بعد .
وفيها وقع الخلاف بَيْنَ الفِرنج - لعنهم اللَّه - وتفرَّقت كلمتهم ، وكان فِي ذَلِكَ سعادة الْإِسْلَام .
وفيها غدر اللّعين أرناط صاحب الكَرَك فقطع الطّريق عَلَى قافلةٍ كبيرة جاءت من مصر ، فقتل وأسر ، ثُمَّ شنّ الغارات عَلَى المسلمين ، ونبذ العهد . فتجهّز السّلطان صلاح الدّين لحربه ، وطلب العساكر منَ البلاد ، ونذر إن ظَفَرَ بِهِ ليقتلنّه ، فأظفره اللَّه بِهِ كَمَا يأتي .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 670
مساهمون: الذهبي
ص٦٧٠