تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
ومن كِتَاب فاضلي إلى الديوان كان الفِرَنج قد ركبوا من الأمر نكرا ، واقتضوا من البحر بكرا ، وعمروا مراكب حربية شحنوها بالمقاتلة والأسلحة والأزواد ، وضربوا بها سواحل اليمن والحجاز ، وأثخنوا وأوغلوا فِي البلاد ، واشتدت مخافة أهل تلك الجوانب ، بل أهل القِبلة ، لما أومض إليهم من جلل العواقب . وما ظن المسلمون إلَّا أنها الساعة ، وقد نشر مطوي أشراطها ، وانتظر غضب اللَّه لفناء بيته المحرَّم ، ومقام خليله الأكرم ، وضريح نبيّه الأعظم صلّى الله عليهما وسلّم . ورجوا أن تشحذ البصائر آية كآية هذا البيت إذ قصده أصحاب الفيل ، ووكلوا إلى اللَّه الأمر ، فكان حَسْبُهُم ونِعْم الوكيل . وكان للفرنج مقصدان : أحدهما قلعة أيْلَة ، والآخر الخوض فِي هذا البحر الَّذِي تجاوره بلادهم من ساحله . وانقسموا فريقين : أما الذين قصدوا أيلة فإنهم قدروا أن يمنعوا أهلها من مورد الماء ، وأما الفريق القاصد سواحلَ الحجاز واليمن فقدروا أن يمنعوا طريق الحاج عَن حَجه ، ويحول بينه وبين فَجه ، ويأخذ تجار اليمن وكارم وعدن ويلم بسواحل الحجاز فيستبيح ، والعياذ بالله ، المحارم . وكان الأخ سيف الدين بمصر قد عمر مراكب ، وفرقها على الفرقتين ، وأمرهم بأن تُطْوَى وراءهم الشُقَّتَين . فأما السائرة إلى قلعة أيلة فإنها انقضت على مُرابطي الماء انقضاضَ الجوارح على بنات الماء ، وقذفتها قذف شهب السماء ، وكسرت أكثر مقاتلتها ، إلا من تعلق بهضبة وما كاد ، أو دخل فِي شِعْب وما عاد ؛ فإن العربان اقتصوا آثارهم ، والتزموا إحضارهم . وأما السائرة إلى بحر الحجاز فتمادت فِي الساحل الحجازي ، فأخذت تُجارًا ، وأخافت رفاقا ، ودلها على عورات البلاد من هُوَ أشد كُفْرًا ونفاقا . وهناك وقع عليها أصحابُنا ، وأُخذت المراكب بأسرها ، وفر فِرَنْجُها ، فسلكوا في الجبال مهاوي المهالك ، ومعاطن المعاطب . وركب أصحابنا وراءهم خيل العرب ، يقتلون ويأسرون ، حتى لم يتركوا مُخْبِرًا ، ولم يُبقُوا لهم