تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
منشور ، وحَسَبْنا ما تصدَّق بِهِ فِي تِلْكَ الشّهور ، فكان ثلاثين ألف دينار . وكان لَهُ برسم نفقته الخاصَّة فِي كلّ شهرٍ من الجزية ما يبلغ ألفي قِرْطاس ، يصرفها فِي كسوته ومأكوله ، وأجرة خياطه ، وجامكيَّة طبّاخة ، ويستفضل منها ما يتصدَّق بِهِ فِي آخر الشّهر . وقيل إنّ قيمة كلّ ستّين قرطاسًا بدينار . وذكر العماد جملةً من فضائله . وقال فِي ترجمته القاضي ابنُ واصل : حكى مَعِين الدِّين مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن خَالِد بْن محمد ابن القَيْسرانيّ قَالَ : انكسر عَلَى ضامن الزّكاة مالٌ ، وهُوَ ابن شمّام ، فباع أملاكه بثمانية آلاف دينار صوريَّة وحملها ، فحُبِس عَلَى ما بقي عَلَيْهِ ، وكان جدّي خَالِد هُوَ الوزير والمشير ، فقال لنور الدِّين : رَأَيْت البارحة كأنّ المولى قد نزع ثيابه ودفعها إليَّ ، وقال : اغسِلْها . فأخذتُها وغسّلتها . فأطرق وسكت ، فندِمت وخفْت أن يكون تطيَّر منِّي ، فخرجت وأنا ضيق الصَّدر ، فبقيت ثمانية أيّام لم يطلبني ، فساء ظنيّ ، فدخل عَلَى نور الدِّين الشَّيْخ إِسْمَاعِيل المكبس ، وكان يحبّه ، فقال : يا مولانا قد حضر مَن زاد فِي دار الزّكاة خمسة آلاف دينار فِي السّنة ، فانتهره وقال : قد أصبحت عَلَى سجّادتي بعد أداء فريضتي أذكر اللَّه ، واستفتحتَ أنت تبشّرني بمُكْسٍ . فوجم الشَّيْخ إِسْمَاعِيل ، ثُمَّ قَالَ : اطلبوا خالدًا . قَالَ : فحضرت ، فتبسَّم وقال : قد تفسَّر منامك . فقلت : بخيرٍ إن شاء اللَّه . فقال : لا تظنّ أنّ تَرْكي لك لموجدة ، بل كنت مفكّرًا فِي المنام حَتَّى فتح اللَّه بتأويله . اعلم أنّ غسْل الثياب غسْل أوساخِ الذُّنوب ، ولا ذَنب أوسَخَ مِن تناول أموال المُكُوس . فلا تترك من يومنا هذا فِي بلدٍ من بلادي مُكْسًا ، ولا دِرْهمًا حرامًا ، واكتب بذلك تواقيع تكون مخلَّدَةً فِي البلاد . والتفت إلى إسماعيل فقال : مر أطلق ابن شمّام ، ورُدَّ عَلَيْهِ ما أُخِذ منه . فلمّا عرف ابن شَمّام بذلك ، اقترح بأن يجعل الذَّهَب فِي أطباق ، وتُزَفّ بالطُّبول والبُوقات فِي الأسواق . فأمر نور الدِّين بإجابته ، وأن يُخلَع عَلَيْهِ . وكتب جدّي خَالِد بذلك تواقيع ونسختُها كلَّها : " الحمد لله فاتح أَبُواب الخيرات بعد إغلاقها ، وناهج سُبُل النّجاة لطُلّابها وطُرّاقها ، وفارج الكُرُبات بعد إرتاجها