تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
اقتنوا الأملاك ، واستطالوا عَلَى النَّاس ، خصوصًا أسد الدِّين شِيرَكُوه ، ولم يقدر القاضي عَلَى الانتصاف من شِيرَكُوه ، فأمر نور الدِّين ببناء دار العدل ، فقال شِيرَكُوه : إنّ نور الدِّين ما بنى هذه الدّار إِلَّا بسببي ، وإلا فمن يمتنع عَلَى كمال الدِّين ؟ . وقال لديوانه : واللهِ لئن أُحضِرتُ إلى دار العدل بسببٍ واحد منكم لأصلبنَّه ، فإنّ كَانَ بينكم وبين أحدٍ منازعةٌ فأرضوه بمهما أمكن ، ولو أتى على جميع مالي . وكان نور الدِّين يقعد فِي دار العدل فِي الأسبوع أربع مرات ، ويحضر عنده الفقهاء والعلماء ، ويأمر بإزالة الحاجب والبوّابين . قَالَ : وكان إذا حضرت الحربُ حمل قوسين وتركشَيْن ، وكان لا يتّكل الْجُنْد عَلَى الأمراء ، بل يتولاهم بنفسه ، ويُباشر خيولهم وسلاحهم . قَالَ : وأنفق على عمارة جامع الموصل ستّين ألف دينار ، وفوّض عمارته إلى الشَّيْخ عُمَر المُلّا الزّاهد . قَالَ : ويُقال : أنفق عَلَيْهِ ثلاثمائة ألف دينار ، فتمّ فِي ثلاثٍ سِنين . وبنى جامع حماه عَلَى العاصي . قَالَ : ووقع فِي أسْره ملك إفرنجيّ ، فأشار الأمراء ببقائه فِي أسره خوفًا من شرِّه ، وبذل هُوَ فِي نفسه مالًا . فبعث إِلَيْهِ نور الدِّين سرًّا يقول : أحضر المال ، فأحضر ثلاثمائة ألف دينار ، فأطلقه ، فعند وصوله إلى مأمنه مات ، فطلب الأمراء سهمهم من المال ، فقال : ما تستحقون منه شيئًا ؛ لأنكم نهيتم عن الفداء ، وقد جمع اللَّه لي الحُسْنَيَيْن : الفداء ، وموت اللّعين ، وخلاص المسلمين منه . فبنى بذلك المال المارستان ، والمدرسة بدمشق ، ودار الحديث . قَالَ : وما كَانَ أحدٌ من الأمراء يتجاسر أن يجلس عنده من هَيْبته ، فإذا دخل عَلَيْهِ فقيرٌ أو عالم أو رب خرقة قام ومشى إِلَيْهِ وأجلسه إلى جانبه ، ويُعطيهم الأموال ، فإذا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ يَقُولُ : هَؤُلَاءِ لهم حقٌّ فِي بيت المال ، فإذا قنعوا منّا ببعضه فلهم المِنَّة علينا . وقال العماد الكاتب فِي " البرق الشّاميّ " : أكَثَر نور الدِّين فِي السَّنة الّتي تُوُفّي فيها من الصَّدقات ، والأوقاف ، وعمارة المساجد ، وأسقط كلَّ ما فِيهِ حرام ، فما أبقى سوى الجزْية والخراج ، وما يحصل من قسمة الغَلَّات عَلَى قويم المنهاج ، وأمرني بكتابة مناشير لجميع أهل البلاد ، فكتبت أكثر من ألف