تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
ذلك ، وكشف لي جميع ما كان يُشكِلُ علي ، وكنت إذا غبْتُ عَنْهُ لطلب العِلم ورجعت إِلَيْهِ يَقُولُ : أيْش جاء بَك إلينا ؟ أنت فقيه ، مُرّ إلى الفُقهاء ، وأنا أسكت ، فلمّا كَانَ يوم جمعة ، خرجت مَعَ الجماعة معه إلى الصّلاة فِي شدَّة البرد ، فلما وصلنا إلى قنطرة النهر ، فدفعني ألقاني فِي الماء ، فقلت : غُسْل الجمعة ، بسم الله ، وكان على جُبَّة صوف ، وفي كمّي أجزاء ، فرفعت كُمّي لئلّا تهلك الأجزاء ، وخلّوني ومشوا ، فعصرت الْجُبَّة ، وتبِعْتُهم ، وتأذّيت من البرد كثيرًا ، وكان الشَّيْخ يؤذيني ويضربني ، وإذا غبت وجئت يَقُولُ : قد جاءنا اليوم الخُبْز الكثير والفالوذَج ، وأكلنا وما خبّأنا لك وحشةً عليك ، فطمع فِيَّ أصحابه وقالوا : أنت فقيه ، أيْش تعمل معنا ؟ فلما رآهم الشيخ يؤذونني غار لي ، وقال لهم : يا كلاب ، لِمَ تؤذونه ؟ واللهِ ما فيكم مثله ، وإنّما أؤذيه لأمتحنه ، فأراه جبلًا لا يتحرَّك ، ثمّ بعد مدَّةٍ قدِم رَجُلٌ من هَمَذَان يقال له يوسف الهمذاني ، وكان يقال إنه القُطْب ، ونزل فِي رِباط ؛ فلمّا سَمِعْتُ بِهِ مشيت إلى الرّباط ، فلم أره ، فسألت عَنْهُ ، فقيل : هُوَ فِي السّرْداب ، فنزلت إِلَيْهِ ، فلمّا رآني قام وأجلسني ففرشني ، وذكر لي جميع أحوالي ، وحلّ لي المُشْكِل علي ، ثم قال لي : تكلم عَلَى النّاس ، فقلت : يا سيّدي أَنَا رَجُل أعجميّ قحّ أخرس ، أيْش أتكلّم عَلَى فُصَحاء بغداد ؟ فقال لي : أنت حفظتَ الفِقْه وأُصوله ، والخلاف والنَّحْو واللّغة وتفسير القرآن ، لا يصلح لك أنْ تتكلّم ؟ اصعد عَلَى الكُرْسيّ ، وتكلَّم عَلَى النّاس ، فإنّي أرى فيك عِذْقًا سيصير نخلة . قَالَ : وقال لي الشَّيْخ عَبْد القادر : كنت أؤمَر وَأُنْهَى فِي النّوم واليَقَظَة ، وكان يغلب علي الكلام ، ويزدحم عَلَى قلبي إنْ لم أتكلّم حتّى أكاد أختنق ، ولا أقدر أن أسكت ، وكان يجلس عندي رجلان وثلاثة يسمعون كلامي ، ثمّ تَسَامَع النّاس بي ، وازدحم علي الخلْق ، حتّى صار يحضر المجلسَ نحوٌ من سبعين ألفًا . وقال لي : فتّشت الأعمال كلها ، فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطّعام ، أودّ لو أنّ الدّنيا بيدي فأُطْعمها الجياع .