تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
العِلْمَيْن ، وذكر الفلسفة ، وحسّنها في قلوب أهل الشرع بآيات يتلوها عندها ، وأحاديث يذكرها . ثمّ كَانَ في هذا الزّمان المتأخّر رجلٌ مِن الفلاسفة يُعرف بابن سينا ، ملأ الدُّنيا تواليف في علوم الفلسفة ، وهو فيها إمامٌ كبير ، وقد أدّاه قُوتُه في الفلسفة إلى أن حاول ردّ أُصول العقائد إلى علم الفلسفة ، وتلطّف جَهْدَه حَتَّى تم لَهُ ما لم يتم لغيره ، وقد رَأَيْت جملا من دواوينه ، ووجدت هَذَا الغَزَالِي يعوّل عليه في أكثر ما يشير إِليْهِ مِن علوم الفلسفة . إلى أن قَالَ : وأمّا مذاهب الصُّوفيّة ، فلست أدري عَلَى مِن عوَّل فيها ، لكني رَأَيْت فيما علّق عَنْهُ بعضُ أصحابه ، أنّه ذكر كُتُب ابن سينا وما فيها ، وذكر بعد ذَلِكَ كُتُب أَبِي حَيّان التّوحيديّ ، وعندي أنّه عَليْهِ عوّل في مذاهب الصُّوفيّة ، وقد أُعْلِمتُ أنّ أبا حَيّان ألّف ديوانًا عظيمًا في هذا الفنّ ، ولم يُنقل إلينا شيءٌ منه . ثمّ ذكر المازَرِيّ تَوَهُّنَه أكثر ما في " الإحياء " مِن الأحاديث ، وقال : عادة المتورّعين أن لَا يقولوا : قَالَ مالك ، قَالَ الشّافعيّ ، فيما لم يثبُت عندهم ، وفي كتابه مذاهب وآراء في العمليّات هِيَ خارجة عَنْ مذاهب الأئمّة ، واستحسانات عليها طلاوة ، لَا تستأهل أن يُفتى بها ، وإذا تأمّلتَ الكتابَ وجدتَ فيه مِن الأحاديث والفَتْوى ما قلته ، فَيَستحسن أشياء مبناها عَلَى ما لَا حقيقة لَهُ ، مثل قصّ الأظْفار أن تبدأ بالسَّبّابة ، لأنّ لها الفضل عَلَى بقيّة الأصابع ، لأنها المُسَبّحة ، ثمّ تقص ما يليها مِن الوسطى ، لأنّها ناحية اليمين ، وتختم بإبهام اليمنى ، وذَكَر في ذَلِكَ أثرًا . وقال : مِن مات بعد بلوغه ولم يعلم أنّ البارئ قديم ، مات مسلمًا إجماعًا ، ومن تَساهلَ في حكاية الإجماع في مثل هذا الَّذِي الأقرب أن يكون فيه الإجماع يعكس ما قال ، فحقيق أن لا يوثق بما نقل . وقد رَأَيْت لَهُ في الجزء الأوّل أنّه ذكر أنّ في علومه هذه ما لَا يسوغ أن تُودَع في كتاب ، فليت شِعْري ، أحقٌ هُوَ أو باطل ؟ فإنْ كَانَ باطلًا فصَدق ، وإن كَانَ حقًا ، وهو مُرادُه بلا شكّ ، فلِمَ لَا يودَع في الكُتُب ، أَلغُمَوضه ودِقّته ؟ فإن كَانَ هُوَ فَهْمُه ، فما المانع من أن يفهمه غيره ؟ ! .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 67 | الذهبي / بشار عوّاد معروف