تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
العربيّ : بَلَغ شيخنا أبو حامد الفلاسفة ، وأراد أن يتقيَّأهم فما استطاع ، رَأَيْت غير واحدٍ مِن الأئمّة يقولون ، إنّه ردّ عَلَى الفلاسفة في مواضع ، ووافقهم عليها في بعض تواليفه ، ووقع في شكوك ، نسأل الله السّلامة واليقين ، ولكنه متأله حسن القصْد . وللإمام أَبِي عَبْد الله محمد بْن عليّ المازريّ الصَّقَلّيّ كلام عَلَى " الإحياء " يدلّ عَلَى تبحُّره وتحقيقه ، يَقُولُ فيه : وبعد فقد تكرّرتْ مكاتبتُكُم في استعلام مذهبنا في الكتاب المترجَم " بإحياء علوم الدّين " ، وذكرتم أنّ آراء الناس فيه قد اختلفت ، فطائفة انتصرت وتعصّبت لإشهاره ، وطائفة منه حذرت وعنه نفرت ، وطائفة لعنته أظهرت ، وكُتُبه حرّقت ، ولم تنفردوا أهل المغرب باستعلام ما عندي ، بل كاتبني أهل المشرق بمثل ذلك ، فوجب عندي إبانة الحق ، ولم يتقدم لي قراءة هذا الكتاب سوى نُبَذٍ منه ، فإن نَفَّس الله في العُمر ، مَدَدْتُ في هذا الكتاب الأنفاس ، وأزلت عن القلوب الالتباس ، واعلموا أنّ هذا الرجل ، وإن لم أكن قرأت كتابه ، فقد رَأَيْت تلامذته وأصحابه ، فكلٌ منهم يحكي لي نوعًا مِن حاله وطريقته ، استلْوح منها مِن مذاهبه وسيرته ، ما قام لي مقام العِيان ، فأنا اقتصر في هذا الإملاء عَلَى ذِكر حال الرجل ، وحال كتابه ، وذِكر جُمِل مِن مذاهب الموحّدين ، والفلاسفة ، والمتصوّفة وأصحاب الإشارات ، فإنّ كتابه متردّد بين هذه الطّرائق الثّلاث ، لَا تعدوها ، ثمّ أُتْبع ذَلِكَ بذِكر حيَل أهل مذهبٍ عَلَى أهل مذهب آخر ، ثُمَّ أبين عن طرق الغرور ، وأكشف عما دفن من خيال الباطل ، ليُحذَر مِن الوقوع في حبال صائده . ثمّ أثنى المازَريّ عَلَى أَبِي حامد في الفقه ، وقال : هُوَ بالفقه أعرف منه بأُصُوله ، وأمّا عِلم الكلام الَّذِي هُوَ أُصول الدّين ، فإنّه صنَّف فيه أيضًا ، وُلّيس بالمستبحر فيها ، ولقد فطنت لسبب عدم استبحاره فيها ، وذلك أنه قرأ علوم الفلسفة قبل استبحاره في فنّ الأصول ، فكسبته قراءةُ الفلسفة جُرأةً عَلَى المعاني ، وتسهُّلًا للهجوم عَلَى الحقائق ، لأنّ الفلاسفة تمرّ مَعَ خواطرها ، وليس لها حكم شرع يزعها ، ولا تخاف من مخالفة أئمة تتبعها ، وعرّفني بعض أصحابه أنّه كَانَ لَهُ عُكُوف على رسائل إخوان الصفا ، وهي إحدى وخمسون رسالة ، ومصنفها فيلسوف قد خاض في علم الشرع والنقل ، فمزج ما بين