تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
مسالك العلماء في الظّواهر التي وردت في الكتاب والسُّنّة ، وامتنع على أهل الحقّ اعتقاد فَحْواها ، فرأى بعضهم تأويلها ، والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السُّنن ، وذهب أئّمةُ السلف إلى الانكفاف عن التّأويل ، وإجراء الظواهر على مواردها ، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى ، والذي نرتضيه رأيا ، وندين الله به عقدا اتِّباع سلف الأمة ؛ فالأولى الاتِّباع وترك الابتداع ، والدليل السَّمعيُّ القاطع في ذلك أنّ إجماع الأمّة حُجّةٌ متبعة وهو مُسْتَنَدُ معظَم الشريعة . وقد دَرَج صَحْبُ الرسول صلى الله عليه وسلم على ترك التّعريض لمعانيها ، ودَرْك ما فيها ، وهم صفوة الإسلام المستقلون بأعباء الشريعة ، وكانوا لا يأْلُون جهدًا في ضبط قواعد الملَّة ، والتّواصي بحِفْظها ، وتعليم النّاس ما يحتاجون إليه منها ، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغًا أو محتومًا لأوْشَك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة ، فإذا تصرَّمَ عصرهم وعصْر التابعين على الإضراب عن التأويل ، كان ذلك قاطعّا بأنّه الوجه المتبَّع ، فحقَّ على ذي الدّين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المُحْدَثين ، ولا يخوض في تأويل المشْكَلات ، وَيَكل معناها إلى الرّبّ فَلْيُجْر آية الاستواء والمجيء ، وقوله : { لما خلقت بيديّ } ، { ويبقى وجه ربِّك } ، و { تجري بأعيننا } ، وما صح من أخبار الرسول كخبر النّزول وغيره على ما ذكرنا . وقال محمد بن طاهر الحافظ : سمعتُ أبا الحَسَن القَيْروانيّ الأديب بَنْيسابور ، وكان يسمع معنا الحديث ، وكان يختلف إلى درس الأستاذ أبي المعالي الْجُوَيْنيّ ، يقرأ عليه الكلام ، يقولُ : سمعتُ الأستاذ أبا المعالي اليوم يقول : يا أصحابنا ، لا تشتغلوا بالكلام ، فلو عرفتُ أنّ الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به . وحكى أبو عبد الله الحَسَن بن العبّاس الرُّستميّ فقيه إصبهان ، قال : حكى لنا أبو الفتح الطَّبرّي الفقيه ، قال : دخلتُ على أبي المعالي في مرضه ، فقال : اشهدوا عليَّ أنّي قد رجعتُ عن كلّ مقالةٍ تخالف السَّلف ، وأنّي أموت على ما تموت عليه عجائز نيسابور . وذكر محمد بن طاهر أنّ المحدِّث أبا جعفر الهَمَذانيّ حضر مجلس وعْظ أبي المعالي ، فقال : كان الله ولا عرش ، وهو الآن على ما كان عليه . فقال أبو جعفر : أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها ، ما قال عارفٌ قطّ :