الموصل سنة تسعٍ وخمسين وأربعمائة إلى بغداد ، قاصدًا للشّيخ أبي إسحاق ، فلمّا حضرتُ عنده بباب المراتب ، بالمسجد الذي يدرّس فيه رحّب بي ، وقال : من أين أنت ؟ قلت : من المَوْصل . قال : مرحبًا ، أنت بلدييّ . فقلت : يا سيّدنا ، أنت من فَيْروزاباد ، وأنا من المَوْصل ! فقال : أما جَمَعتنا سفينةُ نوحٍ ؟ وشاهدتُ من حُسن أخلاقه ولطافته وزهده ما حبَّب إليَّ لزومه ، فصحبتُه إلى أن تُوُفّي .
قلت : وقد ذكره ابن عساكر في طبقات الأشعرية ، ثمّ أورد ما صورته ، قال : وجدتُ بخطّ بعض الثقات : ما قول السّادة الفُقّهاء في قومٍ اجتمعوا على لعن الأشعريّة وتكفيرهم ؟ وما الّذي يجب عليهم ؟ أفْتُونا .
فأجاب جماعة ، فمن ذلك : الأشعريّة أعيان السُّنّة انتصبوا للرّدّ على المبتدعة من القدريّة والرّافضة وغيرهم . فَمَن طعن فيهم فقد طعن على أهل السُّنّة ، ويجب على النّاظر في أمر المسلمين تأديبه بما يرتدع به كلّ أحدٍ . وكتبَ إبراهيم بن عليّ الفَيْروزاباديّ .
وقال : خرجت إلى خُراسان ، فما دخلت بلدةً ولا قريةً إلّا كان قاضيها ، أو خطيبها ، أو مُفْتيها ، تلميذي ، أو من أصحابي .
ومن شعره :
أُحِبّ الكأسَ من غير المُدام . . . وألهوا بالحِسان بلا حرام
وما حبّي لفاحشةٍ ولكنْ . . . رأيتُ الحبّ أخلاق الكرامِ
وله :
سألت النّاسَ عن خِلّ وفيٍّ . . . فقالوا : ما إلى هذا سبيل
تمسك إن ظفرت بذيل حُرٍّ . . . فإنّ الحرَّ في الدّنيا قليلُ
وله :
حكيم يرى أنّ النّجومَ حقيقةٌ . . . ويذهب في أحكامها كلَّ مَذْهبِ
يُخبّر عن أفلاكها وبُرُوجِها . . . وما عند علمٌ بما في المغَّيب
ولسلاّر العقيليّ :
كفاني إذا عنّ الحوادث صارمٌ . . . يُنيلُني المأمول في الإثر والأثر
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 390
مساهمون: الذهبي
ص٣٩٠