تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 722

مساهمون:

ص٧٢٢
الْجُدريّ ثوبًا مصبوغًا بالعُصْفُر ، لَا أعقِل غير ذلك . أخذ العربيّة عن أهل بلده كبني كوثر وأصحاب ابن خالويه ، ثمّ رحل أطرابُلُس ، وكانت بها خزائنُ كُتُبٍ مَوْقُوفَة فاجتاز باللّاذقيّة ونزل ديرًا كان به راهبٌ له علم بأقاويل الفلاسفة ، فسمع أبو العلاء كلامه ، فحصل له به شكوك ، ولم يكن عنده ما يدفع به ذلك ، فحصل له بعض انْحلال ، وأودع من ذلك بعض شعره ، ومنهم من يقول ارعوى وتاب واستغفر . ومِمّن قرأ عليه أبو العلاء اللغة جماعة فقرأ بالمعرَّة على والده وبحلب على محمد بن عبد اللَّه بن سعد النَّحوي وغيره ، وكان قانِعًا باليسير ، لهُ وقفٌ يحصل له منه في العام نحو ثلاثين دينارًا ، قرَّر منها لمن يخدمه النّصف ، وكان أكْلُه العدس ، وحلاوته التّين ، ولباسه القُطْن ، وفراشه لبّاد ، وحصيرة بَرْدِيّة ، وكانت له نفسٌ قويَّة لَا تحمِل منَّة أحد ، وإلّا لو تكسَّب بالشِّعر والمديح لكان ينال بذلك دنيا ورياسة ، واتَّفق أنّهُ عُورِض في الوقف المذكور من جهة أمير بحلب ، فسافر إلى بغداد مُتظلمًا منه في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة ، فسمعوا منه ببغداد " سقط الزِّند " ، وعاد إلى المعرّة سنة أربعمائة ، وقد قصده الطَّلبة من النّواحي . ويُقال عنه إنّه كان يحفظ ما يمر بسمعه ، وقد سمع الحديث بالمعرَّة عاليا من يحيى بن مسعر التَّنوخيّ ، عن أبي عروبة الحرّانيّ ، ولزم منزله ، وسمّى نفسه " رهن المحبسين " للزوم منزله ، وذهاب بصره ، وأخذ في التّصنيف ، فكان يُملي تصانيفه على الطَّلبة ، ومكثَ بضعًا وأربعين سنة لَا يأكل اللَّحم ، ولا يرى إيلام الحيوان مُطلَقًا على شريعة الفلاسفة ، وقال الشِّعر وهو ابن إحدى عشرة سنة . قال أبو الحسين عليّ بن يوسف القفطيّ : قرأت على ظهر كتاب عتيق أن صالح بن مرْداس صاحب حلب خرج إلى المعرَّة وقد عصى عليه أهلُها ، فنازلها وشرع في حصارها ورماها بالمجانيق . فلمّا أحس أهلها بالغَلَب سعوا إلى أبي العلاء بن سليمان وسألوه أن يخرج ويشفع فيهم . فخرج ومعه قائدٌ يقوده ، فأكرمه صالح واحترمه ، ثمّ قال : ألك حاجة ؟ قال : الأمير أطال اللَّه
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 722 | الذهبي / بشار عوّاد معروف