تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
الشجاعة ، فأستأجره من أُمّهِ ، فأحبّته امرأة جاوِندان ، وأطلعتْه على أمور زوجها ، ثمّ قُتِل جاوِنْدان في وقعة بينه وبين ابن عمٍّ لهُ ، فزعمت امرأته أنّه استخلف بابَك ، فصدّقها الْجُنْد وانقادوا له ، فأمرهم أن يقتلوا بالّليل مَن وجدوا من رجلٍ أو صبيّ . فأصبح خلقٌ مُقَتَّلين . ثمّ انضم إليه طائفة من قُطّاع الطريق ، وطائفة مِن الفلّاحين والشُّطّار . ثمّ استفحل أمره ، وعظُم شرُّه ، وصار معه عشرون ألف مقاتل . وأظهر لمذهب الباطنيّة ، واستولى على حصون ومدائن ، وقتل وسبى إلى أن أظفر الله به . فأركبه المعتصم فيلًا ، وألبسه قِباءً من ديباج ، وقَلَنْسُوَة سَمُّور مثل الشَّرْبُوش ، وخَضَبوا الفيل بالحناء ، وطافوا به . ثمّ أمَر المعتصم بأربعته فقُطِّعَت ، ثمّ قُطع رأسه وطِيف به بسامرّاء . وبعث بأخيه إلى بغداد ، ففُعِل به نحو ذلك ، واسمه عبد الله . ويُقال : إنّه كان أشجع من بابَك . فيقال : إنّه قال لأخيه بابَك قُدّام الخليفة : يا بابَك قد عملتَ ما لم يعملْه أحد ، فأصبِرْ صبرًا لم يصبرْه أحد ، فقال : سوف ترى صبري ، فلمّا قُطِعت يدُه مسح بالدَّم وجهه ، فقالوا : لِمَ فعلتَ هذا ؟ قال : قولوا للخليفة : إنّك أمرتَ بقطع أربعتي وفي نفسك أنك لا تكويها وتدع دمي ينزف ، فخشيت إذا خرج الدّم أن يصفرّ وجهي ، فترون أنّ ذلك من جَزَع الموت . فغطّيت وجهي بالدم لهذا ، فقال : فقال المعتصم : لولا أنّ أفعاله لا تُوجِب الصَّنيعة والعَفْوَ لكان حقيقًا بالاستبقاء ، ثمّ ضُرِبت عُنُقه ، وأُحْرِقت جُثّته ، وفُعِل ذلك بأخيه ، فما منهما مَن صاح ، ويقال : إنّ بابَك قتل مائةً وخمسين ألفا ، وما ذاك ببعيد . ووجدتُ بخطّ رفيقنا ابن جماعة الكِنانيّ أنّه وجد بخطّ ابن الصّلاح رحمه الله ، قال : اجتمع قومٌ مِن الأُدباء ، فأحصَوا أنّ أبا مسلم قتل ألفي ألف ، وأنّ قتلى بابَك بلغوا ألف ألف وخمسمائة ألف . وفيها سار الأفشين بالجيوش ، فالتقى طاغيةَ الروم ، فاقتتلوا أيّامًا ، وثبت كِلا الفريقين ، وقُتِل خلقٌ منهما ، ثمّ انهزم الطّاغية ونزل النّصْر . وكان هذا الكلب قد حَصرَ زِبَطْرة وافتتحها عَنْوةً ، وقتل وسبى وحرق الجامع . وفيها خرّب المعتصم أَنْقِرة وغيرها ، وأنكى في بلاد الروم وأوطأهم خوفا وذلا ، وافتتح عمورية بالسيف كما هو مذكور في ترجمته . وكانت نكايته في الروم مما لم يُسْمع لخليفةٍ بمثله ، فإنه شتّت جُموعهم ، وخرّب ديارهم ؛ وكان
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 496 | الذهبي / بشار عوّاد معروف