تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
وفيها أُسٍر المازيار ، وقُدِم به إلى بين يدي المعتصم . وعن هارون بن عيسى بن المنصور قال : شهدت دار المعتصم وقد أتي بالأفشين ، وبالمازيار ، وبموبذ موبذان أحد ملوك السغد ، وبالمزربان ، وأحضروا رجلين فعُرِّيا ، فإذا أجنابهما عارية عن اللّحْم ، فقال الوزير ابن الزّيّات : يا حيدر ، تعرف هذين ؟ قال : نعم . هذا مؤّذنٌ ، وهذا إمامٌ بَنَيا مسجدًا بأشروسنة ، فضربتُ كلّ واحدٍ منهما ألفَ سوط . قال : ولم ؟ قال : بيني وبين ملوك السغد عهد ، أنْ أترك كلّ قومٍ على دينهم ، فوثب هذان على بيتٍ فيه أصنامُ أهلِ أشْرُوسَنَة ، فأخرجا الأصنام واتّخذاه مسجِدًا ، فضربتهما على تَعَدِّيهما . فقال ابن الزّيّات : فما كتابٌ عندك قد زينته بالذهب والجواهر ، وجعلته في الديباج ، فيه الكفر بالله ؟ فقال : كتابٌ ورِثْتُه عن أبي ، فيه آدابٌ وحِكَم من آداب الأكاسرة ، فآخُذُ منه الأدب ، وأدفع ما سواه ، مثل كتاب " كليلة ودِمْنة " ، وما ظننتُ أنّ هذا يُخْرجني عن الإسلام . فقال ابن الزّيّات للموْبِذ : ما تقول ؟ فقال : إنْ كان هذا يأكل المخنوقة ، ويحملني على أكْلها ، ويزعم أن لحمها أرطب لحما من المذبوحة . وقال لي : إنّي قد دخلت لهؤلاء القوم في كل ما أكره ، حَتّى أكلت الزيت ، وركبت الجمل ، ولبست النعل ، غير أنّي إلى هذا العام لم يسقط عني شعر ، يعني عانته ، ولم يختتن ، وكان المُوبِذ مجوسيًّا ، ثمّ بعد هذا أسلم على يد المتوكّل ، فقال الأفشين : خبّروني عن هذا المتكلّم ، أَثِقَةً هو في دينه ؟ قالوا : لا ، قال : فما معنى قُبُولكم شهادته ؟ فتقدّم المرزبان فقال : يا أفشين ، كيف يكتب إليك أهل مملكتك ؟ قال : كما كانوا يكتبون إلى أبي وجَدّي . قال ابن الزّيّات : فكيف كانوا يكتبون ؟ قال : كانوا يكتبون إليه بالفارسيّة ما تفسيره بالعربيّة : إلى الإله من عبده ، قال : كذا هو . قال : نعم ، قال : فما أبقيت لِفرْعَوْن ؟ قال : خفت أن يفسدوا عليّ بتغيير ما يعهدونه ، فقال له إسحاق بن إبراهيم الأمير : كيف تحلف لنا بالله فنصدّقك ، وأنت تدّعي ما ادّعى فِرْعَون ، فقال : يا إسحاق ، هذه سورة قرأها عُجَيْف على عليّ بن هشام ، وأنت تقرؤها عليّ ، فانظر غدًا من يقرؤها عليك . ثمّ تقدّم مازيار ، فقالوا له : تعرف هذا ؟ قال : نعم ، قالوا : هل كاتبتَه ؟ قال : لا ؟ فقالوا للمازيار : هل كتب إليك ؟ قال : كتب إليّ أخوه على لسانه أنّه لم يكن يَنْصر هذا الدّين الأبيض غيري وغيرك وغير بابَك . فأمّا بابَك فإنّه بحُمقه قتل نفسه ، فانْ خالفتَ لم يكن