تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 1055

مساهمون:

ص١٠٥٥
ثُمَّ عاد يحيى من الغد فقال : يا أَبَا عبد الله تركب ؟ فقال : ذاك إليكم . ولبس إزاره وخُفّه . وكان خفه له عنده نحو من خمسة عشر عامًا ، قد رُقّع برقاع عدّة . فأشار يحيى أن يلبس قَلَنْسُوَة . قلت : ما له قَلَنْسُوَة . إلى أن قال : فدخل دار المعتزّ ، وكان قاعدًا على دُكّان فِي الدّار ، فلمّا صعِد الدُّكّان قعد فقال له يحيى : يا أَبَا عبد الله إنّ أمير المؤمنين جاء بك ليُسرّ بقربك ، ويُصيّر أَبَا عبد الله ابنه فِي حُجْرك . فأخبرني بعضُ الخدم أنّ المتوكّل كان قاعدًا وراء سترٍ . فلمّا دخل أبي الدّار قال لأمه : يا أمَه قد نارت الدّار . ثُمَّ جاء خادم بمنديل ، فأخذ يحيى المنديل ، وذكر قصّةً فِي إلباسه القميص والطَّيْلسان والقَلَنْسُوَة وهو لا يحرّك يده . ثُمَّ انصرف . وكانوا قد تحدّثوا أنّه يخلع عليه سوادًا . فلمّا صار إلى الدّار نزع الثّياب ، ثُمَّ جعل يبكي وقال : سلمت من هؤلاء منذ ستّين سنة ، حَتَّى إذا كان فِي آخر عمري بُليتُ بهم . ما أحسبني سلمتُ من دخولي على هذا الغلام ، فكيف بمن يجب عليَّ نُصْحه من وقت تقع عيني عليه ، إلى أن أخرج من عنده . يا صالح وجّه بهذه الثّياب إلى بغداد تباع ويُتصدَّق بثمنها ، ولا يشتري أحد منكم منها شيئًا . فوجَهتُ بها إلى يعقوب بن بختان ، فباعها وفرق ثمنها ، وبقيت عندي القَلَنْسُوة . قال : ومكث خمسة عشر يومًا يُفْطر فِي كلّ ثلاثةٍ على ثمن سَويق ، ثُمَّ جعل بعد ذلك يُفطر ليلةً على رغيف ، وليلة لا يُفْطر . وكان إذا جيء بالمائدة توضع بالدِّهْليز لئلا يراها ، فيأكل مَن حَضَر . فكان إذا أجهده الحَرُّ بَلَّ خرقةً فيضعها على صدره . وفي كلّ يوم يوجّه إليه بابن ماسَوَيْه فينظر إليه ويقول : يا أَبَا عبد الله أَنَا أميل إليك وإلى أصحابك ، وما بك علّة إلا الضُّعف وقلة الرز . إلى أن قال : وجعل يعقوب وغِياث يصيران إليه ويقولان له : يقول لك أمير المؤمنين : ما تقول فِي ابن أبي دُؤاد وفي ماله ؟ فلا يجيب فِي ذلك بشيء . وجعل يعقوب ويحيى يخبرانه بما يحدث فِي أمر ابن أبي دُؤاد فِي كلّ يوم ، ثُمَّ أحْدِر إلى بغداد بعدما أشهد عليه ببيع ضياعه . وكان ربّما صار إليه يحيى بْن خاقان وهو يصلّي ، فيجلس فِي الدِّهْليز حَتَّى يفرغ . وأمر المتوكّل أن تشترى لنا دار فقال : يا صالح ، قلت : لبيك . قال : لئن أقررت لهم بشراء دار لتكوننّ القطيعة بيني وبينكم . إنّما يريدون أن يصيّروا هذا البلد لي مأوى ومسكنا . فلم يزل يدفع بشراء الدّار حتّى اندفع . وجَعَلَتْ رُسُل