تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 1053

مساهمون:

ص١٠٥٣
فلمّا رأته قَالَتْ : يا بُنيّ ، اللَّه اللَّه فِي هذا الرجل ، فليسَ هذا ممّن يريد ما عندكم ، ولا المصلحة أن تحبسه عن منزله ، فَأذَن له فليذْهب . فدخل أبو عبد الله على المعتزّ فقال : السّلام عليكم ، وجلسَ ولم يسلّم عليه بالإمرة . قال : فسمعت أَبَا عبد الله بعد ذلك ببغداد يقول : لمّا دخلت عليه وجلست قال مؤدِّب الصّبيّ : أصلح اللَّه الأمير ، هذا الَّذِي أمَره أميرُ المؤمنين يؤدِّبك ويعلّمك ؟ فردَّ عليه الغلام وقال : إن علَّمني شيئًا تعلَّمته . قال أبو عبد الله : فعجبتُ من ذكائه وجوابه على صِغَره ، وكان صغيرًا . قال : ودامت عِلّةُ أبي عبد الله وبلغ الخليفة ما هُوَ فِيهِ ، وكلَّمه يحيى بْن خاقان أيضًا وأخبره أنّه رَجُل لا يريد الدنيا . فأذن له في الانصراف . فجاء عبيد الله بن يحيى وقت العصر فقال : إنّ أمير المؤمنين قد أذِن لك ، وأمرَ أن تُفرش لك حَرّاقة تنحدر فيها . فقال أبو عبد الله : اطلبوا لي زَوْرقًا فأنحدر فِيهِ السّاعة ، فطلبوا له زورقًا فانحدرَ فِيهِ من ساعتِه . قال حنبل : فما عِلمْنا بقدومه حَتَّى قيل لي : إنّه قد وافى ، فاستقبلته بناحية القطيعة ، وقد خرج من الزَّورق ، فمشيت معه فقال لي : تقدَّم لا يراك النّاس فيعرفوني . فتقدَّمت بين يديه حَتَّى وصل إلى المنزل ، فلمّا دخل ألقى نفسه على قفاه من التعب والعناء . وكان فِي حياته ربما استعار الشّيء من منزلنا ومنزل ولده . فلمّا صار إلينا من مال السّلطان ما صار امتنع من ذلك ، حَتَّى لقد وُصف له فِي عِلّته قَرْعةٌ تُشْوَى ويؤخذ ماؤها . فلمّا جاءوا بالقَرْعة قال بعض من حضر : اجعلوها فِي تنّور ، يعني فِي دار صالح ، فإنّهم قد خبزوا . فقال بيده : لا . ومثل هذا كثير . وقد ذكر صالح بْن أحمد قصّة خروج أَبِيهِ إلى العسكر ورجوعه ، وتفتيش بيوتهم على العلويّ ، ثُمَّ ورود يعقوب قَرْقَرَة ومعه العشرة آلاف ، وأنّ بعضها كان مائتي دينار والباقي دراهم ، قال : فجئت بأجّانة خضراء ، فأكببتها على البدْرة ، فلمّا كان عند المغرب قال : يا صالح خذ هذا صيّرْه عندك . فصيّرته عند رأسي فوق البيت . فلمّا كان سَحَر إذا هُوَ ينادي : يا صالح . فقمت وصعدت إليه ، فقال : ما نمت . قلت : لِمَ يا أبه ؟ فجعل يبكي وقال : سِلمتُ من هؤلاء ، حَتَّى إذا كان فِي آخر عمري بُليتُ بهم . وقد عزمتُ عليك أن تفرّق هذا الشيء إذا أصبحت ، فقلت : ذاك إليك . فلما أصبح جاءه الحسن ابن البزار فقال :
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 1053 | الذهبي / بشار عوّاد معروف