تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
المحفوظ فغير مخلوق ، وأمّا الَّذِي هُوَ بين النّاس فمخلوق . قلت : للعلماء قولان فِي دَاوُد هَلْ يُعْتَدُّ بخلافه أَمْ لا ؟ فقال أبو إسحاق الإسفراييني : قال الجمهور : إنهم ، يعني نفاة القياس ، لا يبلغون رُتبة الاجتهاد ، ولا يجوز تقليدهم القضاء . ونقل الأستاذ أبو مَنْصُورٌ الْبَغْدَادِيّ ، عن أبي علي بن أبي هريرة ، وطائفة من الشافعيين أنه لا اعتبار بخلاف داود ، وسائر نفاة القياس فِي الفروع دون الأصول . وقَالَ أبو المعاليّ الْجُوَينيّ : الَّذِي ذهب إليه أَهْل التحقيق أنّ مُنْكري القياس لا يُعَدُّون من علماء الأمة ، ولا مِن حملة الشريعة ، لأنّهم معاندون مباهتون فيما ثبت استفاضةً وتواتُرًا ؛ لأنّ مُعظم الشريعة صادر عن الاجتهاد ، ولا تفي النّصوص بعُشْر معشارها ، وهؤلاء ملتحقون بالعوامّ . قلت : قول أبي المعالي رحمه الله فِيهِ بعض ما فِيهِ ، فإنّما قاله باجتهاد ، ونَفْيهم للقياس أيضًا باجتهاد ، فكيف يُرَدّ الاجتهاد بِمِثْلِهِ ؟ نعم ، وأيضًا فإذا لم يُعْتَدّ بخلافهم لزمنا أن نقول : إنهم قد خرقوا الإجماع ، ومن خالف الإجماع يُكَفَّر وَيُقْتَل حدا لعناده ، فَإِن قلتم : خالفوا الإجماع بتأويل سائغ ، قُلْنَا : فهذا هُوَ المجتهد ، فلا نقول يجوز تقليده ، إنما يحكى قوله ، مع أن مذهب القوم أنه لا يحلّ لأحدٍ أن يقلّدهم ولا أن يقلّد غيرهم ، فلأن نحكي خلافهم ونعدُّه قولًا أهْوَن وأسلم من تكفيرهم . ونحن نحكي قول ابنِ عَبَّاس فِي الصرف ، والمُتْعَة ، وقول الكوفيين فِي النّبيذ ، وقول جماعة من الصّحابة فِي ترك الغُسْلِ من الْجِماع بلا إنزال ، ومع هَذَا فلا يجوز تقليدهم فِي ذلك . فهؤلاء الظاهرية كذلك ، نعتد بخلافهم ، فإنْ لم نفعل صار ما تفرّدوا به خارقًا للإجماع ، ومن خرق الإجماع المتيقَّن فقد مَرَقَ مِن المِلَّة . لكنّ الإجماع المتيقَّن هُوَ ما عُلِم بالضرورة من الدّين : كوُجُوب رمضان ، والحجّ ، وتحريم الزِّنا والسَّرِقة ، والرِّبا ، واللِّواط . والظاهرية فلهم مسائل شنيعة ، لكنّها لا تبلغ ذلك ، والله أعلم . وقال الإمام أبو عمرو ابن الصلاح : الذي اختاره الأستاذ أبو منصور