تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 611

مساهمون:

ص٦١١
قصر له بقرب القادسية ، فأكرمه مصعب وأدناه لِشَرَفِهِ ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ - وَكَانَ عَامِلُ فَارِسٍ - لِيَقْدُمَ ، فَتَوَانَى عَنْهُ ، فَبَعَثَ مُصْعَبٌ خَلْفَهُ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ ، فَقَالَ لَهُ الْمُهَلَّبُ : مِثْلُكَ يَأْتِي بَرِيدًا ؟ قَالَ : إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَنَا بَرِيدُ أَحَدٍ ، غَيْرَ أَنَّ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا غَلَبَنَا عَلَيْهِمْ عِبْدَاؤُنَا وَمَوَالِينَا ، فَأَقْبَلَ الْمُهَلَّبُ بِجُيُوشٍ وَأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ ، وَهَيْئَةٍ لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَلَمَّا انْهَزَمَ جَيْشُ الْمُخْتَارِ انْهَدَّ لِذَلِكَ ، وَقَالَ لِنَجِيٍّ لَهُ : مَا مِنَ الْمَوْتِ بُدٌّ ، وَحَبَّذَا مَصَارِعَ الْكِرَامِ ، ثُمَّ حصن القصر ، ودام الحصار أياما ، وفي أَوَاخِرِ الْأَمْرِ كَانَ الْمُخْتَارُ يَخْرُجُ فَيُقَاتِلُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ قِتَالًا ضَعِيفًا ، ثُمَّ جَهَدُوا وَقَلَّ عَلَيْهِمُ الْقُوتُ وَالْمَاءُ ، وَكَانَ نِسَاؤُهُمْ يَجِئْنَ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ خِفْيَةً ، فَضَايَقَهُمْ جَيْشُ مُصْعَبٍ ، وَفتَّشُوا النِّسَاءَ ، فَقَالَ الْمُخْتَارُ : وَيْحَكُمُ ! انْزِلُوا بِنَا نُقَاتِلُ حَتَّى نُقْتَلَ كِرَامًا ، وَمَا أَنَا بِآيِسٍ إِنْ صَدَقْتُمُوهُمْ أَنْ تُنْصَرُوا ، فَضَعُفُوا ، فَقَالَ : أَمَّا أَنَا فَلَا وَاللَّهِ لَا أُعْطِي بِيَدِي ، فَأَمَّلَسَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ الْمَخْزُومِيُّ فَاخْتَبَأَ ، وَأَرْسَلَ الْمُخْتَارُ إِلَى امْرَأَتِهِ بِنْتِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِطِيبٍ كَثِيرٍ ، ثُمَّ اغْتَسَلَ وَتَحَنَّطَ وَتَطَيَّبَ ، ثُمَّ خَرَجَ حَوْلَهُ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ، فِيهِمُ السَّائِبُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ خَلِيفَتُهُ عَلَى الْكُوفَةِ ، فقال للسائب : مَا تَرَى ؟ قَالَ : أَنَا أَرَى أَمِ اللَّهُ يَرَى ؟ قَالَ : بَلِ اللَّهُ يَرَى ، وَيْحَكَ ! أَحْمَقُ أَنْتَ ؟ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ ، رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ انْتَزَى عَلَى الْحِجَازِ ، وَرَأَيْتُ نَجْدَةَ انْتَزَى عَلَى الْيَمَامَةِ ، وَرَأَيْتُ مَرْوَانَ انْتَزَى عَلَى الشَّامِ ، فَلَمْ أَكُنْ بِدُونِهِمْ ، فَأَخَذْتُ هَذِهِ الْبِلَادَ فَكُنْتُ كَأَحَدِهِمْ ، إِلَّا أَنِّي طَلَبْتُ بِثَأْرِ أَهْلِ الْبَيْتِ ، فَقَاتِلْ عَلَى حَسَبِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ نِيَّةً ، قَالَ : إنّا لِلَّهِ ! وَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ بِحَسَبِي ؟ وَقَالَ لَهُمُ الْمُخْتَارُ : أَتُؤَمِّنُونِي ؟ قَالُوا : لا ، إلا على الحكم . قال : لا أحكم فِي نَفْسِي ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ، ثُمَّ أَمْكَنَ أَهْلَ الْقَصْرِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ عبّادَ بْنَ الْحُصْيَنِ ، فَكَانَ يُخْرِجُهُمْ مُكَتَّفِينَ ، ثُمَّ قُتِلَ سَائِرُهُمْ . فَقِيلَ : إِنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ قَالَ لِمُصْعَبٍ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ابْتَلَانَا بِالْإِسَارِ وابتلاك أن تعفو عنا ، وهما منزلتان إحداهما رضا الله والأخرى سخطه ، من عفا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ ، وَمَنْ عَاقَبَ لَمْ يَأْمَن الْقِصَاصَ ، يَا ابْنَ الزُّبَيْرِ نَحْنُ أَهْلُ قِبْلَتِكُمْ وَعَلَى مِلَّتِكُمْ ، لَسْنَا