فَحَسَدَهُ أَبُو جَهْلٍ عَلَى مَقَالَتِهِ . وَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُنَفِّذَ أَمْرَهُ . وَعُتْبَةُ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْمُشْرِكِينَ .
فَعَمَدَ أَبُو جَهْلٍ إِلَى ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ - وَهُوَ أَخُو الْمَقْتُولِ - فَقَالَ : هَذَا عُتبَةُ يَخْذُلُ بَيْنَ النَّاسِ ، وَقَدْ تَحَمَّلَ بِدِيَةِ أَخِيكَ ، يَزْعُمُ أَنَّكَ قَابِلُهَا . أَفَلَا تَسْتَحْيُونَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَقْبَلُوا الدِّيَةَ ؟ وَقَالَ لِقُرَيْشٍ : إِنَّ عُتْبَةَ قَدْ عَلِمَ أَنَّكُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ وَمَنْ مَعَهُ ، وَفِيهِمُ ابْنُهُ وَبَنُو عَمِّهِ ، وَهُوَ يَكْرَهُ صَلَاحَكَمْ . وَقَالَ لِعُتْبَةَ : انْتَفَخَ سَحْرُكَ . وَأَمَرَ النِّسَاءَ أن يعولن عمرا ، فقمن يصحن : واعمراه وا عمراه ؛ تحريضا على القتال .
وقام رجل فَتَكَشَّفُوا ؛ يُعَيِّرُونَ بِذَلِكَ قُرَيْشًا . فَأَخَذَتْ قُرَيْشٌ مَصَافَّهَا لِلْقِتَالِ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ : فَأُسِرَ نَفَرٌ مِمَّنْ أَوْصَى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يَقْتُلُوهُمْ إِلَّا أَبَا الْبَخْتَرِيِّ ، فَإِنَّهُ أَبَى أَنْ يُسْتَأْسَرَ ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَقْتُلُوهُ إِنِ اسْتَأْسَرَ ، فَأَبَى . وَيَزْعُمُ نَاسٌ أَنَّ أَبَا الْيسرِ قَتَلَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ . وَيَأْبَى عُظْمُ النَّاسُ إِلَّا أَنَّ الْمُجَذَّرَ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ . بَلْ قَتَلَهُ أَبُو دَاوُدَ الْمَازِنِيُّ .
قَالَ : وَوَجَدَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَبَا جَهْلٍ مَصْرُوعًا ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْرَكَةِ غَيْرُ كَثِيرٍ ، مُقَنَّعًا فِي الْحَدِيدِ وَاضِعًا سَيْفَهُ عَلَى فَخِذَيْهِ لَيْسَ بِهِ جُرْحٍ ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يحرك منه عُضْوًا ، وَهُوَ مُنْكَبٌّ يَنْظُرُ إِلَى الْأَرْضِ . فَلَمَّا رَآهُ ابْنُ مَسْعُودٍ أَطَافَ حَوْلَهُ لِيَقْتُلَهُ وَهُوَ خَائِفٌ أَنْ يَثُورَ إِلَيْهِ ، وَأَبُو جَهْلٍ مُقَنَّعٌ بِالْحَدِيدِ ، فَلَمَّا أَبْصَرَهُ لا يَتَحَرَّكُ ظَنَّ أَنُه مُثَبَّتٌ جِرَاحًا ، فَأَرَادَ أن يضربه بسيفه ، فخشي أن لا يغني سيفه شَيْئًا ، فأتاه من ورائه ، فتناول قَائِمَ سَيْفِهِ فَاسْتَلَّهُ وَهُوَ مُنْكَبٌّ ، فَرَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ سَابِغَةَ الْبَيْضَةِ عَنْ قَفَاهُ فَضَرَبَهُ ، فَوَقَعَ رَأْسُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ سَلَبَهُ . فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ إِذَا هُوَ لَيْسَ بِهِ جِرَاحٌ ، وَأَبْصَرَ فِي عُنُقِهِ خدرًا ، وَفِي يَدِيهِ
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 67
مساهمون: الذهبي
ص٦٧