تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
وَنَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِ الشَّجَرِ ، فَقَدِمْنَا نَصِيبِينَ . فَقَالَ لِي صَاحِبِي : يَا سَلْمَانُ ، إِنَّ هَاهُنَا قَوْمًا هُمْ عُبَّادُ أَهْلِ الْأَرْضِ ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْقَاهُمْ . قَالَ : فَجِئْنَاهُمْ يَوْمَ الْأَحَدِ ، وَقَدِ اجْتَمَعُوا ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ صَاحِبِي ، فَحَيَّوْهُ وَبَشُّوا بِهِ . وَقَالُوا : أَيْنَ كَانَتْ غَيْبَتُكَ ؟ فَتَحَدَّثْنَا ، ثُمَّ قَالَ : قُمْ يَا سَلْمَانُ ، فَقُلْتُ : لَا ، دَعْنِي مَعَ هَؤُلَاءِ . قَالَ : إِنَّكَ لَا تُطِيقُ مَا يُطِيقُونَ ، هَؤُلَاءِ يَصُومُونَ مِنَ الْأَحَدِ إِلَى الْأَحَدِ ، وَلَا يَنَامُونَ هَذَا اللَّيْلَ ، وَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ تَرَكَ الْمُلْكَ وَدَخَلَ فِي الْعِبَادَةِ ، فُكُنْتُ فِيهِمْ حَتَّى أَمْسَيْنَا ، فَجَعَلُوا يَذْهَبُونَ وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى غَارِهِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ ، فَلَمَّا أَمْسَيْنَا قَالَ ذَاكَ الرَّجُلُ الَّذِي مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ : هذا الغلام ما تُضَيِّعُوهُ , لِيَأْخُذْهُ رَجُلٌ مِنْكُمْ ، فَقَالُوا : خُذْهُ أَنْتَ ، فَقَالَ لِي : هَلُمَّ ، فَذَهَبَ بِي إِلَى غَارِهِ وَقَالَ لِي : هَذَا خُبْزٌ وَهَذَا أُدْمٌ , فَكُلْ إِذَا غَرِثْتَ ، وَصُمْ إِذَا نَشِطْتَ ، وَصَلِّ مَا بَدَا لَكَ ، وَنَمْ إِذَا كَسِلْتَ ، ثُمَّ قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يُكَلِّمْنِي ، فَأَخَذَنِي الْغَمُّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الْأَيَّامِ لَا يُكَلِّمْنِي أَحَدٌ ، حَتَّى كَانَ الْأَحَدُ ، وَانْصَرَفَ إِلَيَّ ، فَذَهَبْنَا إِلَى مَكَانِهِمِ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ فِي الْأَحَدِ ، فَكَانُوا يُفْطِرُونَ فِيهِ ، وَيَلْقَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ لَا يَلْتَقُونَ إِلَى مِثْلِهِ ، قَالَ : فَرَجَعْنَا إِلَى مَنْزِلِنَا , فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، ثُمَّ لَمْ يُكَلِّمْنِي إِلَى الْأَحَدِ الْآخَرِ ، فَحَدَّثْتُ نَفْسِي بِالْفِرَارِ فَقُلْتُ : اصْبِرْ أَحَدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً , فَلَمَّا كَانَ الْأَحَدُ وَاجْتَمَعُوا ، قَالَ لَهُمْ : إِنِّي أُرِيدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ . فَقَالُوا : مَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ : لَا عَهْدَ لِي بِهِ . قَالُوا : إِنَّا نَخَافُ أَنْ يَحْدُثَ بِكَ حَدَثٌ فَيَلِيَكَ غَيْرُنَا ، قَالَ : فَلَمَّا سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ ذاك خَرَجْتُ ، فَخَرَجْنَا أَنَا وَهُوَ ، فَكَانَ يَصُومُ مِنَ الْأَحَدِ إِلَى الْأَحَدِ ، وَيُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ ، وَيَمْشِي بِالنَّهَارِ ، فَإِذَا نَزَلْنَا قَامَ يُصَلِّي ، فَأَتَيْنَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَعَلَى الْبَابِ مُقْعَدٌ يَسْأَلُ فَقَالَ : أَعْطِنِي . قَالَ : مَا مَعِي شَيْءٌ . فَدَخَلْنَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَلَمَّا رَأَوْهُ بَشُّوا إِلَيْهِ وَاسْتَبْشَرُوا بِهِ ، فَقَالَ لَهُمْ : غُلَامِي هَذَا فَاسْتَوْصُوا بِهِ ، فَانْطَلَقُوا بِي فَأَطْعَمُونِي خُبْزًا وَلَحْمًا ، وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ إِلَى الْأَحَدِ الْآخَرِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ . فَقَالَ : يَا سَلْمَانُ ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَضَعَ رَأْسِي ، فَإِذَا بَلَغَ الظِلُّ مَكَانَ كَذَا فَأَيْقِظْنِي ، فَبَلَغَ الظِّلُ الَّذِي قَالَ ، فَلَمْ أُوقِظْهُ مَأْوَاةً لَهُ مِمَّا دَأَبَ مِنَ اجْتِهَادِهِ وَنَصَبِهِ ، فَاسْتَيْقَظَ مَذْعُورًا ، فَقَالَ : يَا سَلْمَانُ ، أَلَمْ أَكُنْ قُلْتُ لَكَ : إِذَا بَلَغَ الظِّلُّ مَكَانَ كَذَا فَأَيْقِظْنِي ؟ قُلْتُ : بَلَى ، وَلَكِنْ إِنَّمَا مَنَعَنِي مَأْوَاةً