النَّاسُ ، حَتَّى دَخَلَ فِي الْغَيْضَةِ ، حَتَّى مَا بَقِيَ إِلَّا مَنْكِبُهُ ، فَأَخَذْتُ بِهِ فَقُلْتُ : رَحِمَكَ اللَّهُ ! الْحَنِيفِيَّةُ دِينُ إِبْرَاهِيمَ ؟ فَقَالَ : تَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَ عَنْهُ النَّاسُ الْيَوْمَ ، قَدْ أَظَلَّكَ نَبِيٌّ يَخْرُجُ عِنْدَ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ بِهَذَا الْحَرَمِ ، وَيُبْعَثُ بِسَفْكِ الدَّمِ . فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ سَلْمَانُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَئِنْ كُنْتَ صَدَقْتَنِي يَا سَلْمَانُ لقد رأيت حواري عيسى ابن مريم " .
وقال مسلمة بن علقمة المازني : حدثنا داود بن أبي هند ، عن سماك بن حَرْبٍ ، عَنْ سَلَامَةَ الْعِجْلِيِّ قَالَ : جَاءَ ابْنُ أُخْتٍ لِي مِنَ الْبَادِيَةِ يُقَالُ لَهُ : قُدَامَةُ ، فَقَالَ : أُحِبُّ أَنْ أَلْقَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ فَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ ، فَخَرَجْنَا إِلَيْهِ فَوَجَدْنَاهُ بِالْمَدَائِنِ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ على عشرين ألفا ، ووجدناه على سرير يسف خُوصًا , فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ , فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ الله ، هذا ابن أخت لي قَدِمَ عَلَيَّ مِنَ الْبَادِيَةِ ، فَأَحَبَّ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْكَ . قَالَ : وَعَلَيْهِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ . قُلْتُ : يَزْعُمُ أَنَّهُ يُحِبُّكَ . قَالَ : أَحَبَّهُ اللَّهُ . فَتَحَدَّثْنَا وَقُلْنَا : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، أَلَا تُحَدِّثُنَا عَنْ أَصْلِكَ ؟ قَالَ : أَمَّا أَصْلِي فَأَنَا مِنْ أَهْلِ رَامَهُرْمُزَ ، كُنَّا قَوْمًا مَجُوسًا ، فَأَتَى رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ كَانَتْ أُمُّهُ مِنَّا ، فَنَزَلَ فِينَا وَاتَّخَذَ فِينَا دَيْرًا ، وَكُنْتُ مِنْ كُتَّابِ الْفَارِسِيَّةِ ، فَكَانَ لَا يَزَالُ غُلَامٌ مَعِي فِي الْكُتَّابِ يَجِيءُ مَضْرُوبًا يَبْكِي ، قَدْ ضَرَبَهُ أَبَوَاهُ ، فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا : مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ : يَضْرِبُنِي أَبَوَايَ . قُلْتُ : وَلِمَ يَضْرِبَانِكَ ؟ فَقَالَ : آتِي صَاحِبَ هَذَا الدَّيْرِ ، فَإِذَا عَلِمَا ذَلِكَ ضَرَبَانِي ، وَأَنْتَ لَوْ أَتَيْتَهُ سَمِعْتَ مَنْهُ حَدِيثًا عَجَبًا . قُلْتُ : فَاذْهَبْ بِي مَعَكَ ، فَأَتَيْنَاهُ ، فَحَدَّثَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ وَعَنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ , فَحَدَّثَنَا بِأَحَادِيثَ عَجَبٍ ، فَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ مَعَهُ ، وَفَطِنَ لَنَا غِلْمَانٌ مِنَ الْكُتَّابِ ، فَجَعَلُوا يَجِيئُونَ مَعَنَا ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ أَتَوْهُ , فَقَالُوا : يا هناه ، إِنَّكَ قَدْ جَاوَرْتَنَا فَلَمْ تَرَ مِنْ جِوَارِنَا إِلَّا الْحَسَنَ ، وَإِنَّا نَرَى غِلْمَانَنَا يَخْتَلِفُونَ إِلَيْكَ ، وَنَحْنُ نَخَافُ أَنْ تُفْسِدَهَمْ عَلَيْنَا ، اخْرُجْ عَنَّا . قَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ لِذَلِكَ الْغُلَامِ الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِ : اخْرُجْ مَعِي . قَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ . قُلْتُ : أَنَا أَخْرُجُ مَعَكَ ، وَكُنْتُ يَتِيمًا لَا أَبَ لِي ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ ، فَأَخَذْنَا جَبَلَ رَامَهُرْمُزَ ، فَجَعَلْنَا نَمْشِي وَنَتَوَكَّلُ ،
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 527
مساهمون: الذهبي
ص٥٢٧