تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِمْ ، فَقُلْتُ : لَا وَاللَّهِ مَا هُوَ بِخَيْرٍ مِنْ دِينِهِمْ ، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ اللَّهَ ، وَيَدْعُونَهُ وَيُصَلُّونَ لَهُ ، نَحْنُ نَعْبُدُ نَارًا نُوقِدُهَا بِأَيْدِينَا ، إِذَا تَرَكْنَاهَا مَاتَتْ ، فَخَافَ فَجَعَلَ فِي رِجْلَيَّ حَدِيدًا وَحَبَسَنِي ، فَبَعَثْتُ إِلَى النَّصَارَى فَقُلْتُ : أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدّين الذي أراكم عليه ؟ فقالوا : بِالشَّامِ ، فَقُلْتُ : فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ مِنْ هُنَاكَ نَاسٌ فَآذِنُونِي ، قَالُوا : نَفْعَلُ ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ نَاسٌ مِنْ تُجَّارِهِمْ فَآذَنُونِي بِهِمْ ، فَطَرَحْتُ الْحَدِيدَ مِنْ رِجْلَيَّ وَلَحِقْتُ بِهِمْ ، فَقَدِمْتُ مَعَهُمُ الشَّامَ ، فَقُلْتُ : مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ ؟ قَالُوا : الْأَسْقُفُّ صَاحِبُ الْكَنِيسَةِ ، فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ : إِنِّي قَدْ أَحْبَبَتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي كَنِيسَتِكَ ، وَأَعْبُدَ اللَّهَ فِيهَا مَعَكَ ، وَأَتَعَلَّمَ مِنْكَ الْخَيْرَ ، قَالَ : فَكُنْ مَعِي ، قَالَ : فَكُنْتُ مَعَهُ ، فَكَانَ رَجُلَ سَوْءٍ ، يَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا ، فَإِذَا جَمَعُوهَا لَهُ اكْتَنَزَهَا وَلَمْ يُعْطِهَا الْمَسَاكِينَ ، فَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حَالِهِ ، فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ مات ، فلمّا جاؤوا لِيَدْفِنُوهُ قُلْتُ لَهُمْ : هَذَا رَجُلُ سَوْءٍ ، كَانَ يأمركم بالصّدقة ويكتنزها ، قَالُوا : وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ : أَنَا أُخْرِجُ إِلَيْكُمْ كَنْزَهُ ، فَأَخْرَجْتُ لَهُمْ سَبْعَ قِلالٍ مَمْلُوءَةً ذَهَبًا وَوَرِقًا ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا : وَاللَّهِ لا يدفن أبدا ، فصلبوه ورموه بالحجارة ، وجاؤوا بِرَجُلٍ فَجَعَلُوهُ مَكَانَهُ ، وَلَا وَاللَّهِ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ ، أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ ، وَأَشَدُّ اجْتِهَادًا ، وَلَا أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا ، وَلَا أَدْأَبُ لَيْلا وَنَهَارًا ، وَمَا أَعْلَمُنِي أَحْبَبْتُ شَيْئًا قَطُّ قَبْلَهُ حُبَّهُ ، فَلَمْ أَزَلْ مَعَهُ حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، فَقُلْتُ : قَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فَمَاذَا تَأْمُرُنِي وَإِلَى مَنْ تُوصِينِي ؟ قَالَ لِي : أَيْ بُنَيَّ ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا بِالْمَوْصِلِ ، فَأْتِهِ فَإِنَّكَ سَتَجِدُهُ عَلَى مِثْلِ حَالِي . فَلَمَّا مَاتَ لَحِقْتُ بَالْمَوْصِلِ ، فَأَتَيْتُ صَاحِبَهَا فَوَجَدْتُهُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ وَالزُّهْدِ ، فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ . قَالَ : فَأَقِمْ أَيْ بُنَيَّ ، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ عَلَى مِثْلِ أَمْرِ صَاحِبِهِ حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، فَقُلْتُ : إِنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ ، وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى ، فَإِلَى مَنْ تُوصِينِي ؟ قَالَ : وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا رَجُلًا بِنَصِيبِينَ ، فَلَمَّا دَفَنَّاهُ لَحِقْتُ بِالْآخَرِ ، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِمْ ، حَتَّى حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَأَوْصَى بِي إِلَى رَجُلٍ مِنْ عَمُّورِيَّةَ بِالرُّومِ ، فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِمْ ، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ وَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَتْ لِي غُنَيْمَةٌ وَبُقَيْرَاتٌ ، ثُمَّ احْتَضَرَ فَكَلَّمْتُهُ ، فقال : أي بنيّ والله ما أعلمه بقي
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 524 | الذهبي / بشار عوّاد معروف