تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
رأيي ويسمعون مني ، فقلت : تعلمون وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَى أَمْرَ مُحَمَّدٍ يَعْلُو عُلُوًّا مُنْكَرًا ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا . قَالُوا : وَمَا هو ؟ قلت : نلحق بالنجاشي فنكون معه ، فإن يظهر محمد كنا عند النجاشي ، أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدِ محمد . وإن تظهر قريش فنحن من قد عَرَفُوا . قَالُوا : هَذَا الرَّأْيُ . قُلْتُ : فَاجْمَعُوا مَا تُهْدُونَهُ لَهُ . وَكَانَ أَحَبَّ مَا يُهْدَى إِلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الأَدَمُ . فَجَمَعْنَا لَهُ أَدَمًا كَثِيرًا ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَاهُ ، فَأَنَا لَعِنْدَهُ ؛ إِذْ جَاءَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ بِكِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى النَّجَاشِيِّ لِيُزَوِّجَهُ بِأُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ ، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي : لَوْ دخلت على النجاشي ، فسألته هَذَا فَأَعْطَانِيهِ لَقَتَلْتُهُ لأُسِرَّ بِذَلِكَ قُرَيْشًا . فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَسَجَدْتُ لَهُ فَقَالَ : مَرْحَبًا بِصَدِيقِي ، أَهْدَيْتَ لِي مِنْ بِلادِكَ شَيْئًا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَهْدَيْتُ لَكَ أَدَمًا . وَقَرَّبْتُهُ إِلَيْهِ ، فَأَعْجَبَهُ ، فَفَرَّقَ مِنْهُ أَشْيَاءَ بَيْنَ بَطَارِقَتِهِ . ثُمَّ قُلْتُ : إِنِّي رَأَيْتُ رَجُلا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ وَهُوَ رَسُولُ عَدُوٍّ لَنَا قَدْ وَتَرَنَا وَقَتَلَ أَشْرَافَنَا ، فَأَعْطِنِيهِ فَأَقْتُلَهُ . فَغَضِبَ ، وَرَفَعَ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا أَنْفِي ضَرْبَةً ظَنَنْتُ أَنَّهُ كَسَرَهُ ، فَابْتَدَرَ مَنْخَرَاي فجعلت أتلقى الدم بثيابي . فأصابني من ذلك الذُّلِّ مَا لَوِ انْشَقَّتْ لِي الأَرْضُ دَخَلْتُ فِيهَا فَرَقًا مِنْهُ . ثُمَّ قُلْتُ : أَيُّهَا الْمَلِكُ : لَوْ ظَنَنْتَ أَنَّكَ تَكْرَهُ مَا قُلْتُ مَا سألتكه . قال : فاستحيا وَقَالَ : يَا عَمْرُو ، تَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَ رَسُولَ مَنْ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلامُ لِتَقْتُلَهُ ؟ قَالَ عَمْرٌو : وَغَيَّرَ اللَّهُ قَلْبِي عَمَّا كُنْتُ عَلَيْهِ ، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي : عَرَفَ هَذَا الْحَقَّ الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ وَتُخَالِفُ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : أَتَشْهَدُ أَيُّهَا الْمَلِكُ بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَشْهَدُ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ يَا عَمْرُو ، فَأَطِعْنِي وَاتَّبِعْهُ ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَعَلَى الْحَقِّ ، وَلَيَظْهَرَنَّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ ، كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ . قُلْتُ : أَفَتُبَايِعُنِي لَهُ عَلَى الإِسْلامِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَنِي عَلَى الإِسْلامِ ، ثُمَّ دَعَا بَطَسْتٍ ، فَغَسَلَ عَنِّي الدَّمَ ، وَكَسَانِي ثِيَابًا ، وَكَانَتْ ثِيَابِي قَدِ امْتَلأَتْ بِالدَّمِ فَأَلْقَيْتُهَا . وَخَرَجْتُ عَلَى أَصْحَابِي فَلَمَّا رَأَوْا كِسْوَةَ النَّجَاشِيِّ سُرُّوا بِذَلِكَ وَقَالُوا : هَلْ أَدْرَكْتَ مِنْ صَاحِبِكَ مَا أَرَدْتَ ؟ فَقُلْتُ : كَرِهْتُ أَنْ أُكَلِّمَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ ، وَقُلْتُ : أَعُودُ إِلَيْهِ ، فَفَارَقْتُهُمْ ، وَكَأَنِّي أَعْمِدُ لِحَاجَةٍ ، فَعَمَدْتُ إِلَى مَوْضِعِ السُّفُنِ