فَأَجِدُ سَفِينَةً قَدْ شُحِنَتْ تُدْفَعُ . فَرَكِبْتُ مَعَهُمْ ، وَدَفَعُوهَا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الشُّعَيْبَةِ . وَخَرَجْتُ مِنَ الشّعيبةِ وَمَعِي نَفَقَةٌ ، فَابْتَعْتُ بَعِيرًا ، وَخَرَجْتُ أُرِيدُ الْمَدِينَةَ ، حَتَّى خَرَجْتُ عَلَى مَرَّ الظَّهْرَانِ . ثُمَّ مضيت حتى إذا كنت بالهدة ، فَإِذَا رَجُلانِ قَدْ سَبَقَانِي بِغَيْرِ كَثِيرٍ ، يُرِيدَانِ مَنْزِلا ، وَأَحَدُهُمَا دَاخِلٌ فِي خَيْمَةٍ ، وَالآخَرُ قَائِمٌ يُمْسِكُ الرَّاحِلَتَيْنِ . فَنَظَرْتُ فَإِذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ . فقلت : أبا سليمان ؟ قال : نعم . قلت : أَيْنَ تُرِيدُ ؟ قَالَ : مُحَمَّدًا ، دَخَلَ النَّاسُ فِي الإسلام فلم يبق أحد به طعم ، وَاللَّهِ لَوْ أَقَمْتَ لأَخَذَ بِرِقَابِنَا كَمَا يُؤْخَذُ بِرَقَبَةِ الضَّبُعِ فِي مَغَارَتِهَا . قُلْتُ : وَأَنَا وَاللَّهِ قَدْ أَرَدْتُ مُحَمَّدًا ، وَأَرَدْتُ الإِسْلامِ . فَخَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ ، فَرَحَّبَ بِي ، فَنَزَلْنَا جَمِيعًا ثُمَّ تَرَافَقْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَمَا أَنْسَى قَوْلَ رَجُلٍ لقينا بدير أَبِي عِنَبَةَ يَصِيحُ : يَا رَبَاحُ ، يَا رَبَاحُ . فَتَفَاءَلْنَا بِقَوْلِهِ ، وَسِرْنَا ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْنَا ، فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ : قَدْ أَعْطَتْ مَكَّةُ الْمُقَادَةَ بَعْدَ هَذَيْنِ . فظننت أنه يعنيني ، ويعني خالد بن الوليد . وولى مدبرا إلى المسجد سريعا فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَشَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُدُومِنَا ، فَكَانَ كَمَا ظَنَنْتُ . وَأَنَخْنَا بِالْحَرَّةِ فَلَبِسْنَا مِنْ صَالِحِ ثِيَابِنَا ، وَنُودِيَ بِالْعَصْرِ ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ ، وَإِنَّ لِوَجْهِهِ تَهَلُّلا ، وَالْمُسْلِمُونَ حَوْلَهُ قَدْ سُرُّوا بِإِسْلامِنَا . وَتَقَدَّمَ خَالِدٌ فَبَايَعَ ، ثُمَّ تَقَدَّمَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَبَايَعَ ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَرْفَعَ طَرْفِي إِلَيْهِ حَيَاءً مِنْهُ ، فَبَايَعْتُهُ عَلَى أَنْ يَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي ، وَلَمْ يَحْضُرْنِي مَا تَأَخَّرَ . فَقَالَ : " إِنَّ الإِسْلامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ ، وَالْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا " . فَوَاللَّهِ مَا عَدَلَ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِخَالِدٍ أَحَدًا فِي أَمْرٍ حَزَبَهِ مُنْذُ أَسْلَمْنَا . وَلَقَدْ كُنَّا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ . وَلَقْد كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بِتِلْكَ الْحَالِ ، وَكَانَ عُمَرُ عَلَى خَالِدٍ كَالْعَاتِبِ .
قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ : فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، فَقَالَ : أَخْبَرَنِي رَاشِدٌ مَوْلَى حَبِيبِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ حَبِيبٍ ، عَنْ عَمْرٍو ؛ نَحْوَ ذَلِكَ . فَقُلْتُ لِيَزِيدَ : أَلَمْ يُوَقَّتْ لَكَ مَتَى قَدِمَ عَمْرٌو وَخَالِدٌ ؟ قَالَ : لا ، إِلا
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 316
مساهمون: الذهبي
ص٣١٦