تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
الصَّحَابَةُ هَذَا الْخَبَرَ ، وَرَجَوْا أَنْ يَكُونُوا سُقَاةً لِلْعِيرِ . فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُمَا ، فَإِذَا آلَمَهُمَا الضَّرْبُ قَالَا : نَحْنَ مِنْ عِيرِ أَبِي سُفْيَانَ . وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : إِذَا صَدَقَا ضَرَبْتُمُوهُمَا ، وَإِذَا كَذَبَا تَرَكْتُمُوهُمَا . ثُمَّ قَالَ : أَخْبِرَانِي أَيْنَ قُرَيْشٌ ؟ قَالَا : هُمْ وَرَاءَ هَذَا الْكَثِيبِ . فَسَأَلَهُمَا : كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ ؟ قَالَا : عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ أَوْ تِسْعًا : فَقَالَ : الْقَوْمُ مَا بَيْنَ التِّسْعُمَائَةِ إِلَى الْأَلْفِ . وَأَمَّا اللَّذَانِ بَعَثَهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَجَسَّسَانِ ، فَأَنَاخَا بِقُرْبِ مَاءِ بَدْرٍ وَاسْتَقَيَا فِي شَنِّهِمَا . وَمَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو بِقُرْبِهِمَا لَمْ يَفْطِنَا بِهِ . فَسَمِعَا جَارِيَتَيْنِ مِنْ جَوَارِي الْحَيِّ تَقُولُ إِحْدَاهُمَا لِلْأُخْرَى : إِنَّمَا تَأْتِي الْعِيرُ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ ، فَأَعْمَلُ لَهُمْ ثُمَّ أَقْضِيكِ . فَصَرَفَهُمَا مَجْدِيُّ ، وَكَانَ عَيْنًا لِأَبِي سُفْيَانَ . فَرَجَعَا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَاهُ . وَلَمَّا قَرُبَ أَبُو سُفْيَانَ مِنْ بَدْرٍ تَقَدَّمَ وَحْدَهُ حَتَّى أَتَى مَاءَ بَدْرٍ فَقَال لِمَجْدِيٍّ : هَلْ أَحْسَسْتَ أَحَدًا ؟ فَذَكَرَ لَهُ الرَّاكِبَيْنِ . فَأَتَى أَبُو سُفْيَانَ مَنَاخَهُمَا ، فَأَخَذَ مِنْ أَبْعَارِ بَعِيرَيْهِمَا فَفَتَّهُ ، فَإِذَا فِيهِ النَّوَى ، فَقَالَ : هَذِهِ وَاللَّهِ عَلَائِفُ يَثْرِبَ . فَرَجَعَ سَرِيعًا فَصَرَفَ الْعِيرَ عَنْ طريقها ، وأخذ طريق الساحل فنجى ، وَأَرْسَلَ يُخْبِرُ قُرَيْشًا أَنَّهُ قَدْ نَجَا فَارْجِعُوا . فَأَبَى أَبُو جَهْلٍ وَقَالَ : وَاللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَرِدَ مَاءَ بَدْرٍ ، وَنُقِيمَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا ، فَتَهَابُنَا الْعَرَبُ أَبَدًا . وَرَجَعَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثَّقَفِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ بِبَنِي زُهْرَةَ كُلِّهِمْ ، وَكَانَ فِيهِمْ مُطَاعًا . ثُمَّ نَزَلَتْ قُرَيْشٌ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى مِنَ الْوَادِي . وَسَبَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَاءِ بَدْرٍ . وَمَنَعَ قُرَيْشًا مِنَ السَّبَقِ إِلَى الْمَاءِ مَطَرٌ عَظِيمٌ لَمْ يُصِبِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ إِلَّا مَا لَبَّدَ لَهُمُ الْأَرْضَ . فَنَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَدْنَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ بَدْرٍ إِلَى الْمَدِينَةِ . فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ ، أَمَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَمَهُ أَوْ نَتَأَخَّرَ عَنْهُ ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ ؟ فَقَالَ : بَلِ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذَا لَيْسَ لَكَ بِمَنْزِلٍ ، فَانْهَضْ بِنَا حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنَ الْقَوْمِ فَنَنْزِلَهُ وَنُغَوِّرَ مَا وَرَاءَهُ مِنَ الْقُلُبِ ، ثُمَّ نَبْنِيَ عَلَيْهِ حَوْضًا فَنَمْلَأَهُ مَاءً ، فَنَشْرَبَ وَلَا يَشْرَبُونَ . فَاسْتَحْسَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ ، وَفَعَلَ مَا أَشَارَ بِهِ ، وَأَمَرَ بِالْقُلُبِ فَغُوِّرَتْ ، وَبَنَى حَوْضًا وَمَلَأَهُ مَاءً . وَبُنِيَ