التَّوْضِيحِ أَنَّ أَصْلَ السُّنَّةِ يَحْصُلُ بِالْإِحْرَامِ عَقِبَ الْفَرِيضَةِ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ إثْرَ نَافِلَةٍ لِيَكُونَ لِلْإِحْرَامِ صَلَاةٌ تَخُصُّهُ ، وَقَالَ : ز ، ثُمَّ رَكْعَتَانِ هَذِهِ السُّنَّةُ الثَّالِثَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ لَمْ يُقَلِّدْ وَلَمْ يُشْعِرْ ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ قَلَّدَ وَأَشْعَرَ فَهِيَ السُّنَّةُ الرَّابِعَةُ .
( ص ) يُحْرِمُ الرَّاكِبُ إذَا اسْتَوَى وَالْمَاشِي إذَا مَشَى ( ش ) أَيْ : وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ يُحْرِمُ الرَّاكِبُ إذَا اسْتَوَى عَلَى دَابَّتِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَشْيِ رَاحِلَتِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْمَاشِي إذَا مَشَى وَلَا يَنْتَظِرُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْبَيْدَاءِ ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ يُحْرِمُ إذَا اسْتَوَى بَيَانٌ لِلْوَقْتِ الَّذِي يُحْرِمُ فِيهِ وَمَا تَقَدَّمَ بَيَانٌ لِمَا يَنْعَقِدُ بِهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ الرَّاكِبُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ وَأَحْرَمَ الْمَاشِي قَبْلَ مَشْيِهِ كَفَاهُ ذَلِكَ .
( ص ) وَتَلْبِيَةٌ ( ش ) السُّنَّةُ مُقَارَنَتُهَا لِلْإِحْرَامِ أَيْ : وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي نَفْسِهَا ، وَتَجْدِيدُهَا مُسْتَحَبٌّ وَمَعْنَى التَّلْبِيَةِ الْإِجَابَةُ أَيْ : إجَابَةٌ بَعْدَ إجَابَةٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } [ الأعراف : 172 ] فَهَذِهِ إجَابَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَالثَّانِيَةُ إجَابَةٌ قَوْله تَعَالَى { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ } [ الحج : 27 ] يُقَالُ : إنَّ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا أَذَّنَ بِالْحَجِّ أَجَابَهُ النَّاسُ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ فَمَنْ أَجَابَهُ مَرَّةً حَجَّ مَرَّةً وَمَنْ زَادَ زَادَ فَالْمَعْنَى : أَجَبْتُك فِي هَذَا كَمَا أَجَبْتُك فِي ذَلِكَ ، وَأَوَّلُ مَنْ لَبَّى الْمَلَائِكَةُ ، وَكَذَلِكَ أَوَّلُ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ ( ص ) وَجُدِّدَتْ لِتَغَيُّرِ حَالٍ وَخَلْفَ صَلَاةً ( ش ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ قَالَ بَعْضٌ : وَهُوَ الظَّاهِرُ ، أَوْ السُّنَّةُ التَّلْبِيَةُ ، وَلَوْ مَرَّةً ، وَهُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ لِابْنِ فَرْحُونٍ أَيْ : فَيَكُونُ تَجْدِيدُهَا مُسْتَحَبًّا ، بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ : وَيَكْفِي فِيهَا مَرَّةٌ ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ ، أَوْ التَّجْدِيدُ هُوَ سُنَّةٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ ، وَعَلَيْهِ تَكُونُ التَّلْبِيَةُ مِنْ أَصْلِهَا وَاجِبَةً ، وَاللَّامُ فِي " لِتَغَيُّرِ " بِمَعْنَى عِنْدَ كَقِيَامٍ وَنُزُولٍ وَمُلَاقَاةِ رِفَاقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَنَكَّرَ الصَّلَاةَ لِيَشْمَلَ النَّافِلَةَ وَتُكْرَهُ الْإِجَابَةُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ ، وَأَمَّا إجَابَةُ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَمِنْ خَصَائِصِهِ .
( ص ) ، وَهَلْ لِمَكَّةَ أَوْ لِلطَّوَافِ خِلَافٌ ( ش ) يَعْنِي : أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا هَلْ يَسْتَمِرُّ يُلَبِّي حَتَّى يَدْخُلَ بُيُوتَ مَكَّةَ فَيَقْطَعَ التَّلْبِيَةَ ، فَإِذَا طَافَ وَسَعَى عَاوَدَهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَرُوحُ إلَى مُصَلَّاهَا ؟ هَذَا مَذْهَبُ الرِّسَالَةِ وَشَهَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ أَوَّلًا ، يَزَالُ يُلَبِّي حَتَّى يَبْتَدِئَ بِالطَّوَافِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافٌ وَحَمَلْنَا كَلَامَهُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِحَجٍّ احْتِرَازًا مِمَّنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَسَيَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ : وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ إلَخْ .
( ص ) ، وَإِنْ تَرَكْت أَوَّلَهُ فَدَمٌ إنْ طَالَ ( ش ) يَعْنِي : أَنَّ مَنْ تَرَكَ التَّلْبِيَةَ لَمَّا أَحْرَمَ قَلِيلًا نَاسِيًا لَهَا ، ثُمَّ تَذَكَّرَ فَإِنَّهُ يُلَبِّي ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ لَزِمَهُ دَمٌ ، وَلَوْ رَجَعَ وَلَبَّى لَا يَسْقُطُ عَنْهُ خِلَافًا لِابْنِ عَتَّابٍ وَابْنِ لُبَابَةَ وَمَفْهُومُ أَوَّلِهِ لَوْ أَتَى بِهَا أَوَّلَهُ ، وَلَوْ مَرَّةً عَلَى مَا لِأَبِي الْحَسَنِ ، ثُمَّ تَرَكَ لَا دَمَ عَلَيْهِ ، وَقَوْلُهُ : وَإِنْ تَرَكَتْ أَيْ : عَمْدًا ، أَوْ نِسْيَانًا وَمِثْلُ الطُّولِ مَا إذَا تَرَكَهَا جُمْلَةً .
( ص ) وَتَوَسَّطَ فِي عُلُوِّ صَوْتِهِ وَفِيهَا ( ش ) يَعْنِي : أَنَّ الْمُلَبِّي يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَتَوَسَّطَ فِي عُلُوِّ صَوْتِهِ فَلَا يَرْفَعُهُ جِدًّا حَتَّى يَعْقِرَهُ ، وَلَا يَخْفِضَهُ حَتَّى لَا يَسْمَعَهُ مَنْ يَلِيهِ ، وَكَذَلِكَ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَتَوَسَّط فِي التَّلْبِيَةِ فَلَا يُكْثِرُهَا جِدًّا حَتَّى يَلْحَقَهُ الضَّجَرُ ، وَلَا يَتْرُكُهَا جِدًّا حَتَّى يَفُوتَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا وَهُوَ الشَّعِيرَةُ وَهَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تُسْمِعُ نَفْسَهَا ؛ لِأَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ يُخَافُ مِنْهُ الْفِتْنَةُ ( ص ) وَعَاوَدَهَا بَعْدَ سَعْيٍ ( ش ) أَيْ : وَعَاوَدَ التَّلْبِيَةَ اسْتِحْبَابًا بَعْدَ فَرَاغِ سَعْيٍ أَيْ : وَطَوَافٍ
شرح
قَوْلُهُ : وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ قَلَّدَ وَأَشْعَرَ فَهِيَ السُّنَّةُ الرَّابِعَةُ ) مُفَادُهُ أَنَّ التَّقْلِيدَ وَالْإِشْعَارَ كِلَاهُمَا سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ وَمِثْلُ ذَلِكَ عِبَارَةُ بَهْرَامَ حَيْثُ قَالَ : وَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ الثَّالِثَةُ ثُمَّ مَحَلُّ سُنِّيَّةِ رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ إنْ كَانَ وَقْتَ جَوَازٍ وَإِلَّا انْتَظَرَهُ بِالْإِحْرَامِ إلَّا الْخَائِفَ وَالْمُرَاهِقَ فَيَحْرُمُ وَلَا يَرْكَعُهُمَا ، وَكَذَا غَيْرُ الْخَائِفِ وَالْمُرَاهِقِ لَا يَرْكَعُهُمَا بِوَقْتِ نَهْيٍ حَالَ إحْرَامِهِ بِهِ
. ( قَوْلُهُ يُحْرِمُ الرَّاكِبُ ) أَيْ : مُرِيدُ الرُّكُوبِ ( قَوْلُهُ : إذَا اسْتَوَى عَلَى دَابَّتِهِ ) أَيْ : اسْتَوَى عَلَى دَابَّتِهِ قَائِمَةً لِلسَّيْرِ ( قَوْلُهُ : وَالْمَاشِي ) أَيْ : مُرِيدُ الْمَشْيِ وَالْمُرَادُ الرَّاجِلُ ( قَوْلُهُ : عَلَى الْمَشْهُورِ ) وَقَالَ الْأَئِمَّةُ عَقِبَ سَلَامِهِ ( قَوْلُهُ : إلَى الْبَيْدَاءِ ) مَوْضِعٌ بَعْدَ الْحُلَيْفَةِ كَمَا فِي مُحَشِّي تت وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّاكِبِ وَالْمَاشِي أَنَّ الرَّاكِبَ لَا يَرْكَبُ دَابَّتَهُ إلَّا لِلسَّيْرِ بِخِلَافِ الرَّاجِلِ قَدْ يَقُومُ لِحَوَائِجِهِ فَشُرُوعُهُ فِي الْمَشْيِ كَاسْتِوَائِهِ عَلَى دَابَّتِهِ ( قَوْلُهُ : بَيَانٌ لِلْوَقْتِ الَّذِي يُحْرِمُ فِيهِ ) أَيْ : يَقَعُ الْإِحْرَامُ فِيهِ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ ( قَوْلُهُ : وَمَا تَقَدَّمَ بَيَانٌ لِمَا يَنْعَقِدُ بِهِ ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِعْلِ التَّوَجُّهُ عَلَى الطَّرِيقِ .
( قَوْلُهُ : السُّنَّةُ مُقَارَنَتُهَا ) أَيْ : اتِّصَالُهَا أَيْ : حَقِيقَةً فَإِنْ فَصَلَهَا لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالسُّنَّةِ ثُمَّ إنْ كَانَ الْفَصْلُ طَوِيلًا لَزِمَهُ الدَّمُ لِتَرْكِ السُّنَّةِ وَانْضِمَامِ الطُّولِ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَلَا دَمَ إذْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ سِوَى تَرْكِ السُّنَّةِ وَيَسِيرِ الْفَصْلِ وَهُوَ لَا يُوجِبُ دَمًا ، وَإِذَا لَزِمَهُ الدَّمُ فِي فَصْلِهَا كَثِيرًا فَأَوْلَى فِي تَرْكِهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، فَالتَّلْبِيَةُ وَاجِبَةٌ كَمَا أَنَّ قِلَّةَ فَصْلِهَا وَاجِبٌ بِدَلِيلِ لُزُومِ الدَّمِ فِي تَرْكِهَا وَيُلَبِّي الْأَعْجَمِيُّ بِلِسَانِهِ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ ( قَوْلُهُ : أَجَبْتُك فِي هَذَا ) أَيْ : فِي هَذَا الْحَجِّ كَمَا أَجَبْتُك فِي ذَلِكَ الْمُشَارِ لَهُ الْإِجَابَتَانِ الْمُتَقَدِّمَتَانِ ( قَوْلُهُ فَمِنْ خَصَائِصِهِ ) فِيهِ نَظَرٌ فَلَيْسَ مِنْ الْخُصُوصِيَّاتِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ
. ( قَوْلُهُ : وَهَلْ لِمَكَّةَ ) قَالَ بَعْضٌ اُنْظُرْ لَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ فَقَطَعَهُ لِلصَّلَاةِ وَصَلَّى هَلْ يُلَبِّي بَعْدَ تِلْكَ الصَّلَاةِ أَمْ لَا ؟ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ السَّعْيَ وَهُوَ الظَّاهِرُ
( قَوْلُهُ : عَلَى مَا لِأَبِي الْحَسَنِ ) وَمُقَابِلُهُ مَا شَهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ وُجُوبِ الدَّمِ وَمُفَادُ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ اعْتِمَادُ مَا لِشَارِحِنَا ، وَأَمَّا لَوْ تَرَكَهَا أَثْنَاءَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .
( تَنْبِيهٌ ) : قَالَ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ ، وَلَوْ أَتَى عِوَضَهَا بِتَسْبِيحٍ ، أَوْ نَحْوِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمٌ بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَهَا جُمْلَةً ، أَمَّا لَوْ أَتَى عِوَضَهَا بِمَعْنَاهَا كَإِجَابَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَالْعَدَمِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا وَإِنَّمَا أَتَى بِلَفْظٍ أَجْنَبِيٍّ قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِ الزَّرْقَانِيِّ ( قَوْلُهُ يَعْنِي أَنَّ الْمُلَبِّي يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَتَوَسَّطَ ) الْمُعْتَمَدُ الِاسْتِحْبَابُ كَمَا أَفَادَهُ مُحَشِّي تت ( قَوْلُهُ : وَعَاوَدَهَا ) اسْتِحْبَابًا الْمُعْتَمَدُ أَنَّ إعَادَتَهَا وَاجِبَةٌ