وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ : ( وَإِنْ بِالْمَسْجِدِ ) إلَى أَنَّهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ ، وَإِنْ كَانَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ مِنًى ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْثُرُ فِيهِمَا فَلَا يَلْزَمُ اشْتِهَارُ الْمُلَبِّي بِذَلِكَ وَأَهْلُ مَكَّةَ فِي التَّلْبِيَةِ كَغَيْرِهِمْ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَسَاجِدِ فَيُسْمِعُ نَفْسَهُ بِهَا ، وَمَنْ يَلِيهِ لِئَلَّا يَشْتَهِرَ بِذَلِكَ ( ص ) لِرَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ ( ش ) أَيْ : ، وَلَا يَزَالُ يُلَبِّي بَعْدَ السَّعْيِ لِرَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَيَقْطَعُ ، وَلَا يَعُودُ إلَيْهَا عَلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَثَبَتَ عَلَيْهِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ : لِوُصُولِهِ أَيْ : لِوُصُولِ مُصَلَّى عَرَفَةَ وَلِلزَّوَالِ أَيْضًا ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ فَلَوْ وَصَلَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ لَبَّى لِلزَّوَالِ ، أَوْ زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ قَبْلَ وُصُولِهِ لَبَّى لِوُصُولِهِ فَيَعْتَبِرُ الْأَقْصَى مِنْهُمَا ، وَمُصَلَّى عَرَفَةَ هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ مَسْجِدُ إبْرَاهِيمَ وَمَسْجِدُ عُرَنَةَ بِالنُّونِ وَمَسْجِدُ نَمِرَةَ فَهِيَ أَسْمَاءٌ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ وَهُوَ الَّذِي عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ إلَى عَرَفَةَ .
وَلِمَا بَيْنَ مَبْدَأِ التَّلْبِيَةِ لِمُحْرِمِ الْمِيقَاتِ بِحَجٍّ وَمُنْتَهَاهُ بَيْنَ مَبْدَأِ الْمُحْرِمِ بِهِ مِنْ مَكَّةَ لِمُخَالَفَتِهِ لَهُ دُونَ مُنْتَهَاهُ لِمُوَافَقَتِهِ لَهُ فَقَالَ ( وَمُحْرِمُ مَكَّةَ يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ ) أَيْ : وَمُحْرِمُ مَكَّةَ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا ، أَوْ مُقِيمًا بِهَا ، وَلَا يَكُونُ إلَّا بِحَجٍّ مُفْرِدًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ : وَمَكَانُهُ لِلْمُقِيمِ مَكَّةُ يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ ، ثُمَّ هُوَ فِي انْتِهَائِهِ كَمَا سَبَقَ فِي غَيْرِهِ ، وَهُوَ رَوَاحُ مُصَلَّى عَرَفَةَ قَالَ فِيهَا : وَحُكْمُ مَنْ أَفْسَدَ الْحَجَّ فِي قَطْعِ التَّلْبِيَةِ وَغَيْرِهَا حُكْمُ مَنْ لَمْ يُفْسِدْهُ ، وَلَمَّا نَوَّعَ مُحْرِمَ الْحَجِّ الْمُتَمَادِي عَلَيْهِ إلَى قِسْمَيْنِ نَوَّعَ مُحْرِمَ الْعُمْرَةِ إلَى قِسْمَيْنِ أَيْضًا بِحَسَبِ طُولِ الْمَسَافَةِ وَقِصَرِهَا فَقَالَ ( ص ) وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ وَفَائِتُ الْحَجَّ لِلْحَرَمِ ( ش ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ : وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ مُدْرِكٌ الْحَجَّ ، أَوْ فَائِتٌ الْحَجَّ يُلَبِّي لِلْحَرَمِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا إلَى رُؤْيَةِ الْبُيُوتِ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ ، وَفِي هَذَا مِنْ التَّكَلُّفِ مَا لَا يَخْفَى فَلَوْ قَالَ : وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ ، وَإِنْ لِفَوَاتِ الْحَجِّ لِلْحَرَمِ لَسَلِمَ مِنْ هَذَا وَشَمِلَ ، قَوْلُهُ : وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ الْمُقِيمِ الَّذِي مَعَهُ نَفْسٌ حَيْثُ فَعَلَ مَا يُنْدَبُ لَهُ ( ص ) وَمِنْ الْجِعْرَانَةِ وَالتَّنْعِيمِ لِلْبُيُوتِ ( ش ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَعْنَى أَيْ : وَالْمُعْتَمِرُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَمِنْ الْجِعْرَانَةِ وَالتَّنْعِيمِ فَإِنَّهُ يُلَبِّي إلَى دُخُولِ بُيُوتِ مَكَّةَ لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ .
( ص ) وَلِلطَّوَافِ الْمَشْيُ وَإِلَّا فَدَمٌ لِقَادِرٍ لَمْ يُعِدْهُ ( ش ) أَيْ : وَمِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ الْمَشْيُ فَلَوْ رَكِبَ ، أَوْ حَمَلَ فِي الطَّوَافِ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْمَشْيِ وَلَمْ يُعِدْهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ دَمًا ، وَأَمَّا الْعَاجِزُ لَا دَمَ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ إلَّا أَنْ يُطِيقَ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ بِخِلَافِ الْمُصَلِّي جَالِسًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَ فَرْضَهُ بِنَفْسِهِ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ ، وَالطَّائِفُ مَحْمُولًا إنَّمَا طَافَ حَامِلُهُ وَلَكِنْ اكْتَفَى بِهِ ؛ لِأَنَّهُ غَايَةُ مَقْدُورِهِ وَالسَّعْيُ كَالطَّوَافِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَ فَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ : وَلِلطَّوَافِ وَالسَّعْيِ الْمَشْيُ إلَخْ لَوَفَّى بِالْمَسْأَلَتَيْنِ قَالَ مَالِكٌ : وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ سَعَى رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَعَادَ سَعْيَهُ إنْ كَانَ قَرِيبًا ، وَإِنْ تَبَاعَدَ وَطَالَ أَجْزَأَهُ وَأَهْدَى نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ .
( ص ) وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ بِفَمٍ أَوَّلَهُ ( ش ) هَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ الثَّانِيَةُ مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ ، وَهُوَ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ بِالْفَمِ فِي الشَّوْطِ الْأَوَّلِ وَتَقْبِيلُهُ فِيمَا عَدَاهُ
شرح
قَوْلُهُ : ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْثُرُ فِيهِمَا ) أَيْ : لِكَوْنِهِمَا مَوْضِعَهَا .
( تَنْبِيهٌ ) : إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ عَرَفَةَ لَبَّى حَتَّى يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَالَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ أَيْ : إذَا أَحْرَمَ مِنْهَا بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَأَمَّا مَنْ أَحْرَمَ مِنْهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ يُلَبِّي لِلزَّوَالِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ غَيْرِهَا ( قَوْلُهُ : عَلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ ) أَيْ : رَجَعَ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ إلَخْ وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ قَبْلَ ذَلِكَ : يَقْطَعُ إذَا رَاحَ إلَى الْمَوْقِفِ وَكَانَ يَقُولُ : يَقْطَعُ إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ
( قَوْلُهُ : وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ مُدْرِكُ الْحَجِّ ) حَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَحْرَمَ بِحَجٍّ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْمِيقَاتِ ، أَوْ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ فَاتَهُ الْحَجُّ لِمَرَضٍ ، أَوْ عَدُوٍّ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ مِنْ الْمِيقَاتِ يُلَبِّي لِلْحَرَمِ ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ يَخْرُجُ لِلْحِلِّ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ وَيُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ ، وَفِي بَعْضِ الْحَوَاشِي قَوْلُهُ وَفَائِتُ الْحَجِّ الْمَعْطُوفُ مَحْذُوفٌ ، وَفَائِتٌ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لَهُ أَيْ : وَمُعْتَمِرٌ فَائِتُ الْحَجِّ وَسَمَّاهُ مُعْتَمِرًا ؛ لِأَنَّهُ تَحَلَّلَ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ وَفَائِتُ عَلَى هَذَا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ ، وَأَمَّا جَرُّهُ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمِيقَاتِ فَيَتِمُّ عَلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ بَيَانِيَّةٌ وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ لِمَرَضٍ ، أَوْ نَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ أَوَائِلَ الْحَرَمِ .
( قَوْلُهُ : ، وَإِنْ لِفَوَاتِ الْحَجِّ ) يَقْتَضِي أَنَّ فَوَاتَ الْحَجِّ عِلَّةٌ لِلْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ ( قَوْلُهُ وَشَمِلَ قَوْلُهُ : إلَخْ ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِيمَا تَقَدَّمَ كَخُرُوجٍ إلَخْ فِي الْمُحَرَّمِ مُطْلَقًا كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ ، أَوْ بِعُمْرَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ فَقَطْ ( قَوْلُهُ : لِلْبُيُوتِ ) الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ يَقْطَعُ إذَا دَخَلَ بُيُوتَ مَكَّةَ ، أَوْ الْمَسْجِدَ كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ ( قَوْلُهُ : مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَعْنَى أَيْ : وَالْمُعْتَمِرُ إلَخْ ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ : إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلَى مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ أَيْ : وَالْمُعْتَمِرُ مِنْ الْمِيقَاتِ يُلَبِّي لِلْحَرَمِ ، وَالْمُعْتَمِرُ مِنْ الْجِعْرَانَةِ ، أَوْ التَّنْعِيمِ يُلَبِّي لِلْحَرَمِ
( قَوْلُهُ : أَيْ : مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ ) الرَّاجِحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ ( قَوْلُهُ : وَلَمْ يُعِدْهُ ) أَيْ : فَإِنْ أَعَادَهُ مَاشِيًا بَعْدَ رُجُوعِهِ لِبَلَدِهِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا إنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَيُطْلَبُ بِإِعَادَتِهِ مَاشِيًا ، وَلَوْ مَعَ الْبُعْدِ وَلَا يُجْزِئُهُ الدَّمُ وَقَوْلُهُ : وَلِلطَّوَافِ شَامِلٌ لِلْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِلشَّيْخِ أَحْمَدَ فِي تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِالْوَاجِبِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَإِلَّا فَدَمٌ فَخَاصٌّ بِالْوَاجِبِ ( قَوْلُهُ : لَوَفَّى بِالْمَسْأَلَتَيْنِ ) ، فَلَوْ رَكِبَ فِي السَّعْيِ وَالطَّوَافِ مَعًا فَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلَيْهِ هَدْيًا وَاحِدًا لِلتَّدَاخُلِ وَيُحْتَمَلُ هَدْيَانِ قَالَهُ الْحَطَّابُ
( قَوْلُهُ : وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ بِفَمٍ أَوَّلَهُ ) مِنْ سُنَّتِهِ الطَّهَارَةُ لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْ الطَّوَافِ الْمُشْتَرَطِ فِيهِ الطَّهَارَةُ وَيُسَنُّ اسْتِلَامُ الْيَمَانِيِّ بِيَدِهِ أَوَّلَهُ وَيَضَعُهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ وَيُنْدَبُ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ فِيمَا بَعْدَ الْأَوَّلِ ، وَلَمْسُ الْيَمَانِيِّ بِيَدِهِ بَعْدَ الْأَوَّلِ وَالْمَسُّ بِالْعُودِ خَاصٌّ بِالْحَجَرِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِلَامِ الْيَمَانِيِّ بِيَدِهِ كَبَّرَ فَقَطْ