الدَّمَ هُوَ الَّذِي يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ لِغَلَبَةِ وُصُولِهِ إلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَبِالْمُبَاحِ عَنْ دَمِ الْعُدْوَانِ فَإِنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ وَقَالَ الْمَوَّاقُ سَمَعُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَكْفِي مَسْحُ دَمِ السَّيْفِ عِيسَى إنْ كَانَ فِي جِهَادٍ أَوْ صَيْدٍ لِعَيْشِهِ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ عِيسَى تَفْسِيرٌ انْتَهَى فَانْظُرْ قَوْلَ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ بِالْمُبَاحِ غَيْرُ الْمَمْنُوعِ لِيَشْمَلَ الْمَكْرُوهَ كَصَيْدِ اللَّهْوِ مَعَ هَذَا النَّصِّ .
( ص ) وَأَثَرِ دُمَّلٍ لَمْ يُنْكَ ( ش ) يَعْنِي أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ أَثَرِ الدُّمَّلِ الَّذِي بِهِ وَالْجَرَبِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ دَمٍ وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ وَمَاءٍ سَائِلٍ مِنْ نَفْطِ نَارٍ يُصِيبُ الثَّوْبَ أَوْ الْجَسَدَ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ إذَا مَصَلَ بِنَفْسِهِ ، وَأَمَّا إنْ قُشِرَ حَالَ سَيَلَانِهِ فَلَا يُعْفَى عَنْ أَثَرِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ حَيْثُ كَانَ كَثِيرًا ، وَأَمَّا الْيَسِيرُ فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَضُرُّهُ نَكْؤُهُ قَبْلَ السَّيَلَانِ وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ فِيمَنْ بِهِ دُمَّلٌ وَاحِدٌ أَوْ نَحْوُهُ أَمَّا لَوْ كَثُرَتْ كَالْجَرَبِ فَإِنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى نَكْئِهَا وَيُعْفَى عَمَّا أَصَابَهُ مِنْهُ .
( فَائِدَةٌ ) الدُّمَّلُ بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ مِيمِهِ وَتَخْفِيفِهِ كَسُكَّرٍ وَصُرَدٍ سُمِّيَ بِذَلِكَ تَفَاؤُلًا كَتَسْمِيَةِ الْمُهْلِكَةِ مَفَازَةً وَاللَّدِيغِ سَلِيمًا .
( ص ) وَنُدِبَ إنْ تَفَاحَشَ كَدَمِ بَرَاغِيثَ ( ش ) أَيْ وَنُدِبَ غَسْلُ جَمِيعِ مَا سَبَقَ مِنْ الْمَعْفُوَّاتِ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ جَسَدٍ إنْ تَفَاحَشَ بِأَنْ يَسْتَحِيَ مِنْهُ فِي الْمَجَالِسِ أَوْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ إلَى حَالَةٍ لَا يُقْبَلُ صَاحِبُهَا وَلَا يُقْرَبُ إلَّا بِتَعَذُّرٍ كَاسْتِحْبَابِ غَسْلِ خَرْءِ الْبَرَاغِيثِ مِنْ ثَوْبٍ تَفَاحَشَ فِيهِ كَانَ فِي زَمَنِ هَيَجَانِهَا أَمْ لَا وَظَاهِرُ الرِّسَالَةِ الْوُجُوبُ لَكِنْ حُمِلَتْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَكَذَلِكَ حُمِلَتْ الْمُدَوَّنَةُ أَيْضًا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ وَتَفْسِيرُنَا الدَّمَ بِالْخَرْءِ تَبَعًا لِلْجُزُولِيِّ مُخْرِجٌ لِدَمِهَا الَّذِي مِنْ جَوْفِهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الدِّمَاءِ لَا يُعْفَى إلَّا عَنْ دُونِ دِرْهَمٍ مِنْهُ وَلَا يُلْحَقُ بِهَا الْبَقُّ وَالْقَمْلُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِصَاحِبِ الْحُلَلِ ؛ لِأَنَّ
شرح
كَالْكَوْنِ لَا الْخَاصِّ كَمَا هُنَا .
( تَنْبِيهٌ ) : الْفَرْقُ بَيْنَ السَّيْفِ وَمَوْضِعِ الْحِجَامَةِ أَنَّ الدَّمَ إذَا يَبِسَ عَلَى السَّيْفِ وَنَحْوِهِ تَطَايَرَ بِخِلَافِ الْحِجَامَةِ ( أَقُولُ ) يَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ لِإِفْسَادِهِ إلَى آخِرِهِ تَعْلِيلًا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ دَفْعٍ وَالْمَعْنَى إنَّمَا عُفِيَ لِوُجُودِ الْإِفْسَادِ بِالْغَسْلِ مِنْ دَمِ الْمُبَاحِ عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِهِ ( قَوْلُهُ سَمَعُ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَخْ ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ نَصِّ الْحَطَّابِ نَقْلًا عَنْ التَّوْضِيحِ قَالَ عِيسَى فِي رِوَايَتِهِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مَسَحَهُ مِنْ الدَّمِ أَوْ لَمْ يَمْسَحْهُ قَالَ عِيسَى يُرِيدُ فِي الْجِهَادِ وَفِي الصَّيْدِ الَّذِي هُوَ عَيْشُهُ ( أَقُولُ ) إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُبَاحِ غَيْرُ الْمُحَرَّمِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَكْرُوهُ الْمُشَارُ لَهُ فِي الْبَاغِيَةِ بِقَوْلِهِ وَكُرِهَ لِلرَّجُلِ قَتْلُ أَبِيهِ وَوِرْثُهُ وَمِثْلُهُ دَمُ مَكْرُوهِ الْأَكْلِ الْخَارِجِ مِنْ الْمُذَكَّى وَالْمُرَادُ أَيْضًا مُبَاحٌ أَصَالَةً فَلَا يَضُرُّ حُرْمَتُهُ لِعَارِضٍ كَقَتْلِ مُرْتَدٍّ بِهِ وَزَانٍ أَحْصَنَ بِغَيْرِ إذْنِ إمَامٍ ( فَإِنْ قُلْت ) كَيْفَ يَكُونُ سَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ ضَعِيفًا فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ السَّمَاعَ لَيْسَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَلْ فِي الْعُتْبِيَّةِ .
( قَوْلُهُ الَّذِي بِهِ ) أَخْرَجَ دُمَّلَ غَيْرِهِ فَلَا يُعْفَى عَمَّا أَصَابَهُ مِنْهُ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ وَالْآخَرُ الْعَفْوُ ( قُلْت ) وَيُشْبِهُ هَذَا الْخِلَافُ خِلَافَهُمْ فِي صَاحِبِ السَّلَسِ هَلْ الْعَفْوُ خَاصٌّ أَوْ مُتَعَدٍّ إلَى غَيْرِهِ ( قَوْلُهُ إذَا مَصَلَ بِنَفْسِهِ ) أَيْ سَالَ بِنَفْسِهِ وَمِثْلُهُ مَا فِي حُكْمِهِ كَمَا إذَا انْتَهَى الدُّمَّلُ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ تَرَكَهُ لَانْفَجَرَ بِنَفْسِهِ وَفَجَّرَهُ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْ أَثَرِهِ ( قَوْلُهُ : وَأَمَّا إنْ قُشِرَ حَالَ سَيَلَانِهِ ) أَيْ قُشِرَ حَالَ اجْتِمَاعِ تِلْكَ الْمَادَّةِ وَلَوْلَا الْقَشْرُ مَا خَرَجَتْ تِلْكَ الْمَادَّةُ ( قَوْلُهُ : وَأَمَّا الْيَسِيرُ فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ) أَيْ كَالدِّرْهَمِ فَأَقَلَّ ( قَوْلُهُ : وَأَمَّا الْيَسِيرُ ) هُوَ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ ( قَوْلُهُ وَلَا يَضُرُّ نَكْؤُهُ قَبْلَ سَيَلَانِهِ ) أَيْ إذَا نَكَأَهُ قَبْلَ أَنْ تَجْتَمِعَ تِلْكَ الْمَادَّةُ فِيهِ ، ثُمَّ تَجَمَّعَتْ وَسَالَتْ مِنْ ذَلِكَ الشِّقِّ فَالْعَفْوُ وَعِبَارَةُ ك وَلَا يَضُرُّ نَكْؤُهُ قَبْلَ السَّيَلَانِ فَلَوْ نُكِئَ أَوْ شُقَّ قَبْلَ أَنْ تَجْتَمِعَ الْمَادَّةُ فِيهِ ثُمَّ تَجَمَّعَتْ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْته لَك ( قَوْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ ) أَيْ كَالْجُرْحِ ( قَوْله أَمَّا لَوْ كَثُرَتْ ) أَيْ بِأَنْ زَادَتْ عَلَى الْوَاحِدِ بَلْ فِي أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ الدُّمَّلَ الْوَاحِدَ إذَا اُضْطُرَّ إلَى نَكْئِهَا وَشَقَّ عَلَيْهِ تَرَكَهُ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَمَّا سَالَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ أَنْ يَتَّصِلَ سَيَلَانُهُ وَلَا يَنْقَطِعَ أَوْ انْقَطَعَ انْقِطَاعًا لَا يَنْضَبِطُ كَصَاحِبِ السَّلَسِ أَوْ يَنْضَبِطُ وَلَكِنْ يَتَكَرَّرُ كَأَنْ يَأْتِيَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ بِحَيْثُ يَشُقُّ التَّوَقِّي مِنْهُ وَالِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَهَذَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا وَلَا يَقْطَعُ لِأَجْلِهِ وَلَا يُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ إلَّا أَنْ يَتَفَاحَشَ فَيُؤْمَرُ نَدْبًا كَمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ دَرْؤُهُ بِخِرْقَةٍ وَلَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي بِهَا وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ لِإِطْلَاقِهِ الْعَفْوَ الثَّانِيَ أَنْ لَا يَتَّصِلَ خُرُوجُهُ وَأَمْكَنَ التَّوَقِّي مِنْهُ بِلَا مَشَقَّةٍ بِأَنْ لَمْ يُلَازِمْ كُلَّ يَوْمٍ فَهَذَا لَا يُعْفَى عَنْهُ وَلَوْ صَلَّتْ بِنَفْسِهَا فَإِذَا انْبَعَثَتْ فِي الصَّلَاةِ قُطِعَ إنْ رُجِيَ كَفُّهَا وَغُسِلَ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا فَلْيَفْتِلْ وَيَبْنِيَ ابْنُ رُشْدٍ وَالْيَسِيرُ مَا يَفْتِلُهُ الرَّاعِفُ انْتَهَى ، وَإِنْ لَمْ يَرْجُ كَفَّهَا تَمَادَى .
( قَوْلُهُ وَنُدِبَ إنْ تَفَاحَشَ ) وَمَحَلُّ النَّدْبِ مَا دَامَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ قَائِمًا وَإِلَّا وَجَبَ الْغَسْلُ ( قَوْلُهُ بِأَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ فِي الْمَجَالِسِ ) هَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي دُونِ الدِّرْهَمِ وَفِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ غَسْلٌ دُونَ الدِّرْهَمِ وَمَا فِي حُكْمِهِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ لَا يَشْمَلُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ النَّدْبَ بِالتَّفَاحُشِ وَدُونُ الدِّرْهَمِ غَيْرُ مُتَفَاحِشٍ وَأَجَابَ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَمَا نَقَلَهُ بَعْضُ تَلَامِذَتِهِ بِأَنَّهُ ، وَإِنْ لَمْ يَشْمَلْهُ لَكِنْ لَا يُنَافِيَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا يُعْفَى عَنْهُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِحَدٍّ ، وَأَمَّا الدَّمُ فَإِنَّ الْمَعْفُوَّ عَنْهُ مُقَيَّدٌ بِحَدٍّ لَا يَصِلُ لِلتَّفَاحُشِ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى زَادَ عَمَّا دُونَ الدِّرْهَمِ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُهُ ( قَوْلُهُ وَلَا يُلْحَقُ بِهَا الْبَقُّ وَالْقَمْلُ ) أَيْ بَلْ يُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا تَفَاحَشَ خَرْؤُهَا أَمْ لَا وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ مِنْ الْبَقِّ وَالْقَمْلِ مُتَعَذِّرَةٌ فَلَا مَشَقَّةَ فِي الْغَسْلِ بِخِلَافِ خَرْءِ الْبُرْغُوثِ فَإِنَّهُ كَثِيرٌ فَلَوْ حَكَمْنَا بِالِاسْتِحْبَابِ مُطْلَقًا لَحَصَلَتْ مَشَقَّةٌ وَاعْلَمْ أَنَّ شَارِحَنَا تَبِعَ السَّنْهُورِيَّ وَقَدْ اعْتَمَدَ عج كَلَامَ صَاحِبِ الْحُلَلِ وَمَا ذَكَرْته رَأَيْته مَنْقُولًا عَنْ الشَّارِحِ وَنَقَلَ شَيْخُنَا عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ خَرْءَ الْبَقِّ وَالْقَمْلِ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا يُنْدَبُ بِخِلَافِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ فَلَا يَجِبُ وَلَا يُنْدَبُ