القول في تأويل قوله : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 74 ) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ( والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا ) ، آوَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه ونصروهم ، ونصروا دين الله ، أولئك هم أهل الإيمان بالله ورسوله حقًّا ، لا من آمن ولم يهاجر دارَ الشرك ، وأقام بين أظهر أهل الشرك ، ولم يغزُ مع المسلمين عدوهم ( 1 ) = ( لهم مغفرة ) ، يقول : لهم ستر من الله على ذنوبهم ، بعفوه لهم عنها ( 2 ) = ( ورزق كريم ) ، يقول : لهم في الجنة مطعم ومشرب هنيٌّ كريم ، ( 3 ) لا يتغير في أجوافهم فيصير نجْوًا ، ( 4 ) ولكنه يصير رشحًا كرشح المسك ( 5 )
* * *
وهذه الآية تنبئ عن صحة ما قلنا : أن معنى قول الله : ( بعضهم أولياء بعض ) في هذه الآية ، وقوله : ( ما لكم من ولايتهم من شيء ) ، إنما هو النصرة والمعونة ، دون الميراث . لأنه جل ثناؤه عقّب ذلك بالثناء على المهاجرين والأنصار والخبر عما لهم عنده ، دون من لم يهاجر بقوله : ( والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا
هامش
( 1 ) انظر تفسير " هاجر " و " جاهد " ، و " آوى " فيما سلف قريبا ص 77 ، تعليق : 1 - 4 ، والمراجع هناك .
( 2 ) انظر تفسير " المغفرة " فيما سلف من فهارس اللغة " غفر " .
( 3 ) انظر تفسير " رزق كريم " فيما سلف وكان في المطبوعة هنا " طعم ومشرب " ، والصواب من المخطوطة .
( 4 ) " النجو " ، ما يخرج من البطن .
( 5 ) روى مسلم وأبو داود من حديث جابر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأكُلُونَ فِيهَا ويَشْرَبُونَ ، وَلا يَتْفُلُونَ وَلا يَبُولُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ وَلا يَمْتَخِطُونَ . قِيلَ : فَمَا بَالُ الطَّعَامِ ؟ قال : جُشاء ورَشْحٌ كَرَشْحِ المِسْك ، يُلهمون التسبيح والتحميد كما تُلهمُونَ النَّفَس "
( صحيح مسلم 17 : 173 ) .