مقامهم لو أقاموا ولم ينفروا لم يكن سببًا لمنعهم من التفقه .
* * *
وبعدُ ، فإنه قال جل ثناؤه : ( ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ) ، عطفًا به على قوله : ( ليتفقهوا في الدين ) ، ولا شك أن الطائفة النافرة لم ينفروا إلا والإنذار قد تقدّم من الله إليها ، وللإنذار وخوف الوعيد نَفرتْ ، فما وجْهُ إنذار الطائفة المتخلفة الطائفةَ النافرةَ ، وقد تساوتا في المعرفة بإنذار الله إياهما ؟ ولو كانت إحداهما جائزٌ أن توصف بإنذار الأخرى ، لكان أحقَّهما بأن يوصف به ، الطائفة النافرة ، لأنها قد عاينت من قدرة الله ونصرة المؤمنين على أهل الكفر به ، ما لم تعاين المقيمة . ولكن ذلك إن شاء الله كما قلنا ، من أنها تنذر من حَيِّها وقبيلتها من لم يؤمن بالله إذا رجعت إليه : أن ينزل به ما أنزل بمن عاينته ممن أظفر الله به المؤمنين من نُظَرائه من أهل الشرك .
* * * القول في تأويل قوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 123 ) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله : " يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله ، قاتلوا من وليكم من الكفار دون من بَعُد منهم . ( 1 ) يقول لهم : ابدأوا بقتال الأقرب فالأقرب إليكم دارًا ، دون الأبعد فالأبعد . وكان الذين يلون المخاطبين بهذه الآية يومئذ ، الروم ، لأنهم كانوا سكان الشأم يومئذ ، والشأم كانت أقرب إلى المدينة من العراق . فأما بعد أن فتح الله على المؤمنين البلاد ، فإن الفرض على
هامش
( 1 ) انظر تفسير " ولي " فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي ) .