تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
أني لم أكن قط أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة ، والله ما جمعت قبلها راحلتين قطُّ حتى جمعْتُهما في تلك الغزوة . فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرٍّ شديد ، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفاوِزَ ، واستقبل عدوًّا كثيرًا ، فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهَّبُوا أهبة غزوهم ، فأخبرهم بوجهه الذي يريد ، والمسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم كثير ، ولا يجمعهم كتاب حافظٌ = يريد بذلك : الديوان = قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيّب إلا يظنَّ أن ذلك سيخفى ، ما لم ينزل فيه وَحْيٌ من الله . وغزا رسول الله تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال ، وأنا إليهما أصعَرُ . ( 1 ) فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم ، [ فأرجع ولم أقض شيئًا ، وأقول في نفسي : " أنا قادر على ذلك إذا أردت ! " ، فلم يزل ذلك يتمادى بي ، حتى استمرّ بالناس الجدُّ . فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديًا والمسلمون معه ] ، ( 2 ) ولم أقض من جَهازي شيئًا ، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا . فلم يزل ذلك يتمادى [ بي ] ، ( 3 ) حتى أسرعوا وتفارط الغزْوُ ، ( 4 ) وهممت أن أرتحل فأدركهم ، فيا ليتني فعلت ، فلم يُقْدَر ذلك لي . فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم يحزنني أنّي لا أرى لي أسوةً إلا رجلا مغموصًا عليه في النفاق ، ( 5 ) أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء . ولم يذكرني رسول الله صلى الله
هامش
( 1 ) " أصعر " ، أي : أميل ، على وزن " أفعل " التفضيل ، وأصله من " الصعر " ( بفتحتين ) ، وهو ميل في الوجه ، كأنه يلتفت إليه شوقا . ( 2 ) الذي بين القوسين ساقط من المخطوطة ، وأثبته من رواية مسلم في صحيحه . وكان في المطبوعة : " . . . لكي أتجهز معهم ، فلم أقضي من جهازي شيئا " ، أما المخطوطة ، فكان فيها ما يدل على أن الناسخ قد أسقط من الكلام : " . . . لكي أتجهز معهم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا " . ( 3 ) الزيادة بين القوسين ، من صحيح مسلم . ( 4 ) " تفارط الغزو " ، أي فات وقته ، ومثله " تفرط " ، وفي الحديث : " أنه نام عن العشاء حتى تفرطت " ، أي : فات وقتها . ( 5 ) " أسوة " ، أي : قدوة ومثلا . و " المغموص عليه " ، من قولهم " غمص عليه قولا قاله " ، أي : عابه عليه ، وطعن به عليه . ويعني : مطعونا في دينه ، متهما بالنفاق .