من إبراهيم على وجه الرِّقة على أبيه ، والرحمة له ، ولغيره من الناس .
وقال آخرون : إنما كان ذلك منه لصحة يقينه ، وحسن معرفته بعظمة الله ، وتواضعه له .
وقال آخرون : كان لصحة إيمانه بربِّه .
وقال آخرون : كان ذلك منه عند تلاوته تنزيل الله أحد الذي أنزله عليه .
وقال آخرون : كان ذلك منه عند ذكر رَبِّه .
= وكلُّ ذلك عائد إلى ما قلتُ ، وتَقَارَبَ معنى بعض ذلك من بعض ، لأن الحزين المتضرِّع إلى ربه ، الخاشع له بقلبه ، ينوبه ذلك عند مسألته ربَّه ، ودعائه إياه في حاجاته ، وتعتوره هذه الخلال التي وجَّه المفسرون إليها تأويل قول الله : " إن إبراهيم لأوّاه حليمٌ " .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 115 ) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وما كان الله ليقضي عليكم ، في استغفاركم لموتاكم المشركين ، بالضلال ، بعد إذ رزقكم الهداية ، ووفقكم للإيمان به وبرسوله ، حتى يتقدَّم إليكم بالنهي عنه ، فتتركوا الانتهاء عنه . فأما قبل أن يبين لكم كراهية ذلك بالنهي عنه ، ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه ، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال ، لأن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهيّ ، فأما من لم يؤمر ولم ينه ، فغير كائنٍ مطيعًا أو عاصيًا فيما لم يؤمَرْ به ولم ينه عنه = " إن الله بكل شيء عليم " ، يقول تعالى ذكره : إن الله ذو علم بما خالط أنفسكم عند نهي الله إياكم من الاستغفار لموتاكم المشركين ، من الجزع على ما سلف منكم
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 536
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٥٣٦