القول في تأويل قوله : { إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا }
قال أبو جعفر : وهذا إعلامٌ من الله أصحابَ رسوله صلى الله عليه وسلم أنّه المتوكّل بنصر رسوله على أعداء دينه وإظهاره عليهم دونهم ، أعانوه أو لم يعينوه ، = وتذكيرٌ منه لهم فعلَ ذلك به ، وهو من العدد في قلة ، والعدوُّ في كثرة ، فكيف به وهو من العدد في كثرة ، والعدو في قلة ؟
يقول لهم جل ثناؤه : إلا تنفروا ، أيها المؤمنون ، مع رسولي إذا استنفركم فتنصروه ، فالله ناصره ومعينه على عدوّه ومغنيه عنكم وعن معونتكم ونصرتكم ; كما نصره = ( إذ أخرجه الذين كفروا ) ، بالله من قريش من وطنه وداره = ( ثاني اثنين ) ، يقول : أخرجوه وهو أحد الاثنين ، أي : واحد من الاثنين .
* * *
وكذلك تقول العرب : " هو ثاني اثنين " يعني : أحد الاثنين ، و " ثالث ثلاثة ، ورابع أربعة " ، يعني : أحد الثلاثة ، وأحد الأربعة . وذلك خلاف قولهم : " هو أخو ستة ، وغلام سبعة " ، لأن " الأخ " ، و " الغلام " غير الستة والسبعة ، " وثالث الثلاثة " ، أحد الثلاثة .
* * *
وإنما عنى جل ثناؤه بقوله : ( ثاني اثنين ) ، رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه ، لأنهما كانا اللذين خرجَا هاربين من قريش إذ همُّوا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم واختفيا في الغار .
* * *
وقوله : ( إذ هما في الغار ) ، يقول : إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 257
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٥٧