الحج الأكبر ، وانقضاؤها انقضاء عشر من ربيع الآخر ، فذلك أربعة أشهر متتابعة ، جُعِل لأهل العهد الذين وصفنا أمرهم ، فيها ، السياحةُ في الأرض ، يذهبون حيث شاؤوا ، لا يعرض لهم فيها من المسلمين أحدٌ بحرب ولا قتل ولا سلب .
* * *
فإن قال قائل : فإذا كان الأمر في ذلك كما وصفت ، فما وجه قوله : ( فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) ، [ سورة التوبة : 5 ] . وقد علمت أن انسلاخها انسلاخ المحرّم ، وقد زعمت أن تأجيل القوم من الله ومن رسوله كان أربعة أشهر ، وإنما بين يوم الحجّ الأكبر وانسلاخ الأشهر الحرم خمسون يومًا أكثرُه ، فأين الخمسون يومًا من الأشهر الأربعة ؟
قيل : إن انسلاخَ الأشهر الحرم ، إنما كان أجل من لا عهد له من المشركين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأشهر الأربعة لمن له عهد ، إما إلى أجل غير محدود ، وإما إلى أجل محدود قد نقضه ، فصار بنقضه إياه بمعنى من خِيف خيانته ، فاستحقّ النبذ إليه على سواء ، غير أنه جُعل له الاستعداد لنفسه والارتياد لها من الأجل الأربعة الأشهر . ألا ترى الله يقول لأصحاب الأشهر الأربعة ، ويصفهم بأنهم أهل عهد : ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله ) ، ووصف المجعول لهم انسلاخ الأشهر الحرم أجلا بأنهم أهل شرك لا أهل عهد فقال : ( وأذانٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله ) الآية = ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ) الآية ؟ ثم قال : ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) ، فأمر بقتل المشركين الذين لا عهد لهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم ، وبإتمام عهد الذين لهم عهد . إذا لم يكونوا نقضوا عهدهم بالمظاهرة على المؤمنين ، وإدخال النقص فيه عليهم .
فإن قال قائل : وما الدليل على أن ابتداء التأجيل كان يوم الحج الأكبر ،
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 110
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١١٠