الشّيخانِ ( 1 ) وغيرُهُمَا ( 2 ) عنْ أنسٍ - رضي الله عنه - وهذا لفظُ مسلمٍ قالَ : ( ( كنا نُهِينَا في القُرآنِ أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ شَيءٍ ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْل البَادِيَةِ ، العَاقِلُ فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمعُ . فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، فَقَالَ : ياَ مُحَمَّدُ ، أتانَا رَسُولُكَ ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ [ تَزْعُمُ ] ( 3 ) أَنَّ الله أَرْسلَكَ ؟ قَالَ : صَدَقَ . . . ) ) الحديث .
قوله : ( لأنكرَ عليهِ ) ( 4 ) إنْ قيلَ عدمُ إنكارِهِ إنّمَا يفيدُ جوازَهُ ، قيلَ : لما كانت الرحلةُ لهذا - المصاحبةُ لإجهادِ النّفسِ وإنفاقِ المالِ وإنضاءِ الظهرِ بعدَ إخبارِ رسولِهِ العدلِ - تشبهُ أنْ تكونَ تعنّتاً ، وأقرّهُ عليها - صلى الله عليه وسلم - ولمْ ينهَ عنها ، معَ تضمُنِهَا لفتحِ مَا ربما جرَّ إلى مفسدةِ التعنّتِ ، عُلِمَ أنْ الإقرارَ لمصلحةٍ راجحةٍ وهي علوُّ الإسنادِ والانتقالُ منَ الظنِّ إلى القطعِ ، وهكذا كلّ سندٍ ، فإنَّ الراويَ / 254 ب / إذا سَمِعَ الحديثَ عنْ موجودٍ أفادَهُ سماعُهُ الظنَّ بأنَّ ذلكَ الموجودَ قالَهُ ، فإذا رَحَلَ إليهِ وسمعَهُ منهُ قطعَ بأنّهُ قالَهُ ، فإنْ قيلَ : إنّمَا جاءَ ليتشرفَ برؤيةِ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قيلَ : لا يمنعُ أنْ يكونَ ذلكَ منْ مقاصدِهِ لكنَّ ابتداءهُ قدومهِ بالسؤالِ وهوَ واقفٌ ، ورجوعه عقبَ فراغهِ منْ غيرِ مُكثٍ لحظةً واحدةً بعدَهُ يدلُّ على أنَّ المقصودَ الأعظمَ إنّما هو علوّ الإسنادِ .
هامش
( 1 ) الحديث في : صحيح البخاري 1 / 24 ( 63 ) ، وصحيح مسلم 1 / 32 ( 10 ) و ( 11 ) و ( 12 ) .
( 2 ) إذ أخرجه : أحمد 3 / 143 و 168 و 193 ، وعبد بن حميد ( 1285 ) ، والدارمي ( 656 ) ، وأبو داود ( 486 ) ، وابن ماجة ( 1402 ) ، والترمذي ( 619 ) ، والنسائي 4 / 121 و 122 وفي " الكبرى " ، له ( 2401 ) و ( 5863 ) ، وابن خزيمة ( 2358 ) ، وابن حبان ( 154 ) من طريقين عن أنس بن مالك ، به .
( 3 ) ما بين المعكوفتين لم يرد في ( ف ) ، وأثبته من " صحيح مسلم " .
( 4 ) شرح التبصرة والتذكرة 2 / 59 ، وهو من كلام الحاكم في " معرفة علوم الحديث " : 6 .