وأحسنُ منه فيما يظهرُ لي أنْ تكونَ العبارةُ على ظاهرِهَا ، ويعللَ بأنّ العلوَّ قلَّ أنْ يوجدَ معَ غايةِ الإتقانِ ؛ لأنّهُ يتوقفُ عَلى حداثةِ الآخذِ وعلوّ سنِّ المأخوذِ عنهُ ، وقلّ أنْ يوجدَ في واحدٍ منَ السِّنَّينِ تمامُ الضبطِ ، ويؤيدُ هذا ما رَوَى ابنُ خلاّدٍ بعدَ هذا في مَن لا يرى الرحلةَ ، عنْ عمرَ ( 1 ) بنِ يزيدَ السّيّاريِّ أنّهُ قالَ : ( ( دخلتُ عَلى حماد بنِ زيدٍ وهوَ شاكٍ فقلتُ : حدَّثني بحديثِ غيلانَ بنِ جريرٍ ( 2 ) ، فقالَ : يا فتى ، سألتُ غيلانَ بنَ جريرٍ وهو شيخٌ ، ولكن حَدَّثَني أيوبُ ، قلتُ : حدّثني بهِ عنْ أيوبَ ، فَحَدَّثَني ) ) ( 3 ) .
فهذا وجهُ تفضيلِ النّزولِ في الجملةِ .
وأمّا أنّهُ يخصُّ منْ يجعلُ الخبرَ أقوى منَ القياسِ وهم الجمهورُ ، فلا يظهرُ وجهُهُ ، ولا حُسن العبارةِ عندَ إرادتِهِ ، وقد راجعتُ نسختينِ منَ " المحدّثِ الفاصلِ " ، إحديهما بخطِّ الحافظِ أبي طاهرٍ أحمدَ بنِ محمدٍ السِّلفيِّ ، فوجدتُ العبارةَ كمَا نُقِلَ عنه ، والذي أكادُ أقطع بهِ معَ ذلكَ أنها مقلوبةٌ وأنّ أصلَهَا ( ( هذا مذهبُ منْ يزعمُ أنَّ القياسَ أقوى منَ الخبرِ ) ) فإنَّ مَا يعبرُ فيهِ ب ( ( الزعمِ ) ) يكونُ مرذولاً ، وقائلُهُ قليلاً ، والذينَ يقدّمونَ القياسَ ويجوّزونَ فسخَهُ بهِ قليلٌ جداً ، وأمّا
هامش
( 1 ) في ( ف ) : ( ( عمرو ) ) ، والصواب ما أثبته ؛ إذ هو عمر بن يزيد السياري ، أبو حفص الصفار البصري نزيل الثَّغر قال ابن حبان : مستقيم الحديث ، وقال الدارقطني : لا بأس به .
انظر : الثقات لابن حبان 8 / 446 ، وتهذيب الكمال 5 / 391 ( 4910 ) ، وتهذيب التهذيب 7 / 506 .
( 2 ) حديث غيلان بن جرير أخرجه : أحمد 2 / 296 و 306 و 488 ، ومسلم 6 / 20 ( 1848 ) ( 53 ) و ( 54 ) ، وابن ماجة ( 3948 ) ، والبيهقي 8 / 156 من طرق عن غيلان بن جرير ، عن أبي قيس بن رياح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( ( من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ، فمات ، مات ميتة الجاهلية . . . ) ) .
( 3 ) المحدّث الفاصل : 236 - 237 ( 138 ) .