ولا يُحمّلُ نفسهُ ما لا يطيقُ مخافةَ المللِ ، وهذا يختلفُ باختلافِ الناسِ .
وينبغي أنْ يغتنمَ التحصيلَ في وقتِ الفراغِ والنشاطِ ، وحالِ الشبابِ ، وقوةِ البدنِ ، ونباهةِ الخاطرِ ، وقلةِ الشواغلِ قبلَ عوارضِ البطالةِ وارتفاعِ المنزلةِ .
فقد رَوينا عنْ عمرَ - رضي الله عنه - : تفقّهوا قبلَ أن تُسَوَّدوا ( 1 ) .
وقالَ الشافعيُّ : تفقه قبلَ أنْ ترأسَ ، فإذا رأستَ فلا سبيلَ إلى التَّفقُّهِ ( 2 ) ) ) ( 3 ) . انتهى .
وهذهِ المعاني كلها تدورُ على بذلِ الجهدِ في الطلبِ وعدمِ الفتورِ ( 4 ) مما يشتغلُ عنهُ ، ووجودُ البواعثِ للدلالةِ على عشقهِ وإيثارهِ على كلِّ شيءٍ ، ولا يكونُ هذا إلا بعنايةٍ منَ اللهِ ، واللهُ الموفقُ .
قولُهُ : ( ويعمدُ إلى أسندِ شُيُوخ ) ( 5 ) هو أفعلُ تَفضيل منَ السَّنَدِ ، فيحتملُ أنْ يكونَ : أعلاهمْ سَنداً ، أو أتقنهم سَنداً ، أو أعرفهمْ بالأسانيدِ ونحوه ، وينبغي مع ذلك البداءةُ بالأفرادِ فمن تفرّدَ بشيءٍ أخذهُ عنه أولاً ، وإنْ لمْ يكنْ أسنَدهُم .
قولُهُ : ( أنْ يتخيَّرَ المشهُورَ مِنهُمْ ) ( 6 ) قالَ الشيخُ محيي الدينِ : ( ( قالُوا : وَلا يأخذُ إلا ممن كملتْ أهليتُهُ ، وظهرتْ ديانتُهُ ، وتحققتْ معرفتُهُ ، واشتهرتْ صيانتُهُ
هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي شيبة ( 26116 ) ، والدارمي ( 250 ) طبعة دار الكتاب ، وابن حجر في تغليق التعليق 2 / 81 و 82 ، وذكره ابن حجر معلقاً ، وانظر : المجموع شرح المهذب 1 / 87 - 88 .
( 2 ) أخرجه : البيهقي في " المدخل إلى السنن الكبرى " ( 375 ) .
( 3 ) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 26116 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 1669 ) ، وفي
" المدخل إلى السنن الكبرى " ( 373 ) من طريق عبد الله بن عون ، عن ابن سيرين ، عن الأحنف بن قيس ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، به .
وعلقه البخاري في صحيحه 1 / 28 باب الاغتباط في العلم والحكمة .
( 4 ) بعد هذا في ( ف ) : ( ( بعدم ) ) وهي مقحمة .
( 5 ) شرح التبصرة والتذكرة 2 / 39 ، وهو قول الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " : 32 .
( 6 ) شرح التبصرة والتذكرة 2 / 39 .