إلى قصد السبيل ، ويسدِّد جائرًا عن الهدى إلى واضح الطريق المستقيم ؟ فإنهم لا يقدرون أن يدَّعوا أن آلهتهم وأوثانهم تُرشد ضالا أو تهدي جائرًا . وذلك أنهم إن ادَّعوا ذلك لها أكذبتهم المشاهدة ، وأبان عجزَها عن ذلك الاختبارُ بالمعاينة . فإذا قالوا " لا " وأقرُّوا بذلك ، فقل لهم . فالله يهدي الضالَّ عن الهدى إلى الحق = ( أفمن يهدي ) أيها القوم ضالا إلى الحقّ ، وجائرًا عن الرشد إلى الرشد = ( أحق أن يتبع ) ، إلى ما يدعو إليه ( أمْ مَنْ لا يهدِّي إِلا أن يُهدى ) ؟
* * *
واختلفت القراء في قراءة ذلك .
فقرأته عامة قراء أهل المدينة : ( أَمَّنْ لا يَهْدِّي ) بتسكين الهاء ، وتشديد الدال ، فجمعوا بين ساكنين ( 1 ) = وكأنّ الذي دعاهم إلى ذلك أنهم وجَّهوا أصل الكلمة إلى أنه : أم من لا يهتدي ، ووجدوه في خطّ المصحف بغير ما قرءوا ، ( 2 ) وأن التاء حذفت لما أدغمت في الدال ، فأقرُّوا الهاء ساكنة على أصلها الذي كانت عليه ، وشدَّدوا الدال طلبًا لإدغام التاء فيها ، فاجتمع بذلك سكون الهاء والدال . وكذلك فعلوا في قوله : ( وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعَدُّوا فِي السَّبْتِ ) ، [ سورة النساء : 154 ] ، ( 3 ) وفي قوله : ( يَخْصِّمُون ) ، [ سورة يس : 49 ] . ( 4 )
* * *
وقرأ ذلك بعض قراء أهل مكة والشام والبصرة = " ( يَهَدِّي ) بفتح الهاء وتشديد الدال . وأمُّوا ما أمَّه المدنيون من الكلمة ، غير أنهم نقلوا حركة التاء من " يهتدي " : إلى الهاء الساكنة ، ، فحرَّكوا بحركتها ، وأدغموا التاء في الدال فشدّدوها .
* * *
هامش
( 1 ) انظر ما قاله في شبه هذه القراءة فيما سلف 9 : 362 .
( 2 ) في المطبوعة : " بغير ما قرروا " ، والصواب ما في المخطوطة .
( 3 ) انظر ما سلف في هذه القراءة 9 : 362 .
( 4 ) انظر ما سيأتي في هذه القراءة 23 : 11 ( بولاق ) .