القول في تأويل قوله : { وَهُوَ الَّذِي أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : والله الذي له العبادة خالصة لا شريك فيها لشيء سواه ، ( 1 ) هو الإله الذي أنزل من السماء ماء = " فأخرجنا به نبات كل شيء " ، فأخرجنا بالماء الذي أنزلناه من السماء من غذاء الأنعام والبهائم والطير والوحش وأرزاق بني آدم وأقواتهم ، ما يتغذون به ويأكلونه فينبتُون عليه وينمون . وإنما معنى قوله : " فأخرجنا به نبات كل شيء " ، فأخرجنا به ما ينبت به كل شيء وينمو عليه ويصلحُ .
* * *
ولو قيل : معناه : فأخرجنا به نبات جميع أنواع النبات ، فيكون " كل شيء " ، هو أصناف النبات = كان مذهبًا ، وإن كان الوجه الصحيح هو القولَ الأول . ( 2 )
* * *
وقوله : " فأخرجنا منه خضرًا " ، يقول : " فأخرجنا منه " ، يعني : من الماء الذي أنزلناه من السماء = " خَضِرًا " ، رطبًا من الزرع .
* * *
" والخضر " ، هو " الأخضر " ، كقول العرب : " أرِنيهَا نَمِرة ، أُرِكْها مَطِرَة " . ( 3 ) يقال : " خَضِرَت الأرض خَضَرًا . وخَضَارة " . ( 4 ) و " الخضر " رطب البقول ،
هامش
( 1 ) في المطبوعة : " لا شركة فيها لشيء سواء " ، غير ما في المخطوطة بسوء رأي ! !
( 2 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 347 .
( 3 ) هذا مثل ، نسبه صاحب اللسان في ( نمر ) إلى أبي ذؤيب الهذلي ، ولم ينسبه في ( خضر ) ، ورواه الميداني في الأمثال 1 : 258 ، وأبو هلال في جمهرة الأمثال : 14 ، ولم ينسباه إليه ، وأذكر أني قرأت قصته ثم افتقدتها الآن فلم أجدها . وقوله : " نمرة " يعني ، سحابة ، وهو أن يكون سواد وبياض ونمرة ، يضرب مثلا في صحة مخيلة الشيء ، وصحة الدلالة عليه . وذلك إذا رأيت دليل الشيء ، علمت ما يتبعه .
( 4 ) " الخضارة " مصدر ، مثل " الغضارة " ، لم يذكر في مادته من كتب اللغة .