وإنما فتنة الله تعالى ذكره بعضَ خلقه ببعضٍ ، مخالفتُه بينهم فيما قسم لهم من الأرزاق والأخلاق ، فجعل بعضًا غنيًّا وبعضًا فقيرًا ، وبعضًا قويًّا ، وبعضًا ضعيفًا ، فأحوج بعضهم إلى بعض ، اختبارًا منه لهم بذلك .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13290 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " وكذلك فتنا بعضهم ببعض " ، يعني أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء ، فقال الأغنياء للفقراء : " أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا " ، يعني : هداهم الله . وإنما قالوا ذلك استهزاءً وسُخريًّا . ( 1 )
* * *
وأما قوله : " ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا " ، يقول تعالى : اختبرنا الناس بالغنى والفقر ، والعزّ والذل ، والقوة والضعف ، والهدى والضلال ، كي يقول من أضلّه الله وأعماه عن سبيل الحق ، للذين هداهم الله ووفقهم : " أهؤلاء منّ الله عليهم " ، بالهدى والرشد ، وهم فقراء ضعفاء أذلاء ( 2 ) = " من بيننا " ، ونحن أغنياء أقوياء ؟ استهزاءً بهم ، ومعاداةً للإسلام وأهله .
يقول تعالى ذكره : " أليس الله بأعلم بالشاكرين " ، وهذا منه تعالى ذكره إجابة لهؤلاء المشركين الذين أنكروا أن يكون الله هدى أهل المسكنة والضعف للحق ، وخذلهم عنه وهم أغنياء = وتقريرٌ لهم : أنا أعلم بمن كان من خلقي شاكرًا نعمتي ، ممن هو لها كافر . فمنِّي على من مَنَنْتُ عليه منهم بالهداية ، جزاء شكره
هامش
( 1 ) في المطبوعة : " سخرية " ، وأثبت ما في المخطوطة .
( 2 ) انظر تفسير " المن " فيما سلف 7 : 369 / 9 : 71 .