القول في تأويل قوله : { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 ) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : والذين كذبوا بحجج الله وأعلامه وأدلته ( 1 ) = " صمٌّ " ، عن سماع الحق = " بكم " ، عن القيل به ( 2 ) = " في الظلمات " ، يعني : في ظلمة الكفر حائرًا فيها ، ( 3 ) يقول : هو مرتطم في ظلمات الكفر ، لا يبصر آيات الله فيعتبر بها ، ويعلم أن الذي خلقه وأنشأه فدبَّره وأحكم تدبيره ، وقدَّره أحسن تقدير ، وأعطاه القوة ، وصحح له آلة جسمه = لم يخلقه عبثًا ، ولم يتركه سدًى ، ولم يعطه ما أعطاه من الآلات إلا لاستعمالها في طاعته وما يرضيه ، دون معصيته وما يسخطه . فهو لحيرته في ظلمات الكفر ، وتردّده في غمراتها ، غافلٌ عمَّا الله قد أثبت له في أمّ الكتاب ، وما هو به فاعلٌ يوم يحشر إليه مع سائر الأمم . ثم أخبر تعالى ذكره أنه المضِلّ من يشاء إضلالَه من خلقه عن الإيمان إلى الكفر ، والهادي إلى الصراط المستقيم منهم من أحبَّ هدايته ، فموفّقه بفضله وطَوْله للإيمان به ، وترك الكفر به وبرسله وما جاءت به أنبياؤه ، وأنه لا يهتدي من خلقه أحد إلا من سبق له في أمّ الكتاب السعادة ، ولا يضل منهم أحد إلا من سبق له فيها الشقاء ، وأنّ بيده الخير كلُّه ، وإليه الفضل كله ، له الخلق والأمر . ( 4 )
* * *
هامش
( 1 ) انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي ) .
( 2 ) انظر تفسير " صم " و " بكم " فيما سلف 1 : 328 - 331 / 3 : 315 .
( 3 ) وحد الضمير بعد الجمع فقال : " حائرا فيها " ، يعني الكافر المكذب بآيات الله ، وهو جائز في مثل هذا الموضع من التفسير .
( 4 ) انظر تفسير " الضلال " فيما سلف من فهارس اللغة ( ضلل ) .
= وتفسير " الصراط المستقيم " فيما سلف 10 : 429 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .