وكأنّ من قال في ذلك بقول ابن جريج هذا ، وجَّه تأويل الآية إلى : " فمن يكفر بعدُ منكم فإنّي أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين " في الدنيا = وأعذبه أيضًا في الآخرة : " إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القولين عندنا بالصواب في ذلك ، قولُ من قال بقول السدي ، وهو أن الله تعالى ذكره قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه ، وأن الخبرَ خبرٌ عما مضى ، لعلَّتين :
إحداهما : أن " إذْ " إنما تصاحب = في الأغلب من كلام العرب المستعمل بينها = الماضيَ من الفعل ، وإن كانت قد تدخلها أحيانًا في موضع الخبر عما يحدث ، إذا عرف السامعون معناها . وذلك غير فاشٍ ، ولا فصيح في كلامهم ، ( 1 ) وتوجيه معاني كلام الله تعالى إلى الأشهر الأعرف ما وجد إليه السبيل ، ( 2 ) أولى من توجيهها إلى الأجهل الأنكر .
والأخرى : أن عيسى لم يشك هو ولا أحد من الأنبياء ، أن الله لا يغفر لمشرك مات على شركه ، فيجوز أن يُتَوهم على عيسى أن يقول في الآخرة مجيبًا لربه تعالى ذكره : إن تعذّب من اتخذني وأمي إلهين من دونك فإنهم عبادك ، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم .
* * *
فإن قال قائل : وما كان وجه سؤال الله عيسى : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " ، وهو العالم بأن عيسى لم يقل ذلك ؟
قيل : يحتمل ذلك وجهين من التأويل :
هامش
( 1 ) انظر ما سلف من القول في " إذ " و " إذا " 1 : 349 - 444 ، 493 / 3 : 92 ، 98 / 6 : 407 ، 550 / 7 : 333 / 9 : 627 . وانظر ما سيأتي ص : 317 .
( 2 ) في المطبوعة والمخطوطة : " فتوجيه " بالفاء ، والجيد ما أثبت .