فإذ كان تأويل ذلك كذلك ، فلا وجه لدعوَى مدَّعٍ أن هذه الآية منسوخة ، لأنه غير جائز أن يُقْضَى على حُكم من أحكام الله تعالى ذكره أنه منسوخ ، إلا بخبَرٍ يقطع العذرَ : أمّا من عند الله ، أو من عند رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو بورود النَّقل المستفيض بذلك . فأمَّا ولا خبر بذلك ، ولا يدفع صحته عقل ، فغير جائز أن يقضى عليه بأنه منسوخ .
* * * القول في تأويل قوله : { يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ ( 109 ) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : واتقوا الله ، أيها الناس . واسمعوا وَعْظه إياكم وتذكيرَه لكم ، واحذروا يَوْم يَجْمع الله الرسل = ثم حذف " واحذروا " ، واكتفى بقوله : " واتقوا الله واسمعوا " ، عن إظهاره ، كما قال الراجز :
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا . . . حَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا ( 1 )
يريد : " وسقيتها ماء باردًا " ، فاستغنى بقوله " علفتها تبنًا " من إظهار " سقيتها " ، إذ كان السامع إذا سَمِعه عرف معناه . فكذلك في قوله : " يوم يجمع الله والرسل " ، حذف " واحذروا " لعلم السامع معناه ، اكتفاءً بقوله : " واتقوا الله واسمعوا " ، إذ كان ذلك تحذيرًا من أمر الله تعالى ذكره ، خلقَه عقابَه على معاصيه .
* * *
وأما قوله : " ماذا أُوجبتم " ، فإنه يعني به : ما الذي أجابتكم به أممكم ، ( 2 ) حين
هامش
( 1 ) مضى تخريج البيت وتفسيره فيما سلف 1 : 264 ، وكان في المطبوعة هنا : " حتى غدت همالة " ، غير ما في المخطوطة .
( 2 ) انظر تفسير " ماذا " فيما سلف 4 : 292 ، 346 ، 347 / 8 : 359 .