= وكما قال : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ، [ سورة البقرة : 93 ] ، وكما قال بعض الهذليين . ( 1 )
يُمَشِّي بَيْنَنَا حَانُوتُ خَمْرٍ . . . مِنَ الخُرْسِ الصَّرَاصِرَةِ الْقِطَاطِ ( 2 )
وهو يعني : صاحب حانوت خمر ، فأقام " الحانوت " مقامه ، لأنه معلوم أن " الحانوت " ، لا يمشي ! ولكن لما كان معلومًا عنده أنَّه لا يخفى على سامعه ما قصد إليه من معناه ، حذف " الصاحب " ، واجتزأ بذكر " الحانوت " منه . فكذلك قوله : " من الذين استُحِقّ عليهم الأوليان " ، إنما هو من الذين استُحِقّ فيهم خيانتهما ، فحذفت " الخيانة " وأقيم " المختانان " ، مقامها . فعمل فيهما ما كان يعمل في المحذوف ولو ظهر .
* * *
وأما قوله : " عليهم " في هذا الموضع ، فإن معناها : فيهم ، كما قال تعالى : وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ، [ سورة البقرة : 102 ] ، يعني : في
هامش
( 1 ) هو المنخل الهذلي
( 2 ) ديوان الهذليين 2 : 21 ، والمعاني الكبير : 472 . واللسان ( حنت ) ( قطط ) ( خرص ) ، من قصيدة له طويلة ، يذكر مواضي أيامه ، ثم يقول بعد البيت في صفة الخمر : رَكُودٍ في الإنَاءِ لَهَا حُمَيَّا . . . تَلَذُّ بأَخْذِها الأَيْدِي السَّوَاطِي
مُشَعْشَعَةٍ كَعَيْنِ الدَّيكِ ، لَيْسَتَْتْ ، . . . إذَا ذِيقَتْ ، مِنَ الخَلِّ الخِمَاطِ
وقوله : " الخرس " ، جمع " أخرس " ، وهو الذي ذهب كلامه عيًا أو خلقة . ويعني به : خدمًا من العجم لا يفصحون ، فلذلك سماهم " خرسًا " . وروى بعضهم " من الخرص " ، وهو خطأ ، فيه نبّه عليه الأزهري رحمه الله .
و " الصراصرة " نبط الشأم . وعندي أنهم سموا بذلك ، لشيء كان في أصواتهم وهم يتكلمون ، في أصواتهم صياح وارتفاع وامتداد ، كأنه صرصة البازي . و " القطاط " جمع " قطط " ( بفتحتين ) و " قط " ( بفتح وتشديد ) : وهو الرجل الشديد جعودة الرأس . وقوله : " ركود في الإناء " ، يعني أنها صافية ساكنة . و " حميا الخمر " ، سورتها وأخذها بالبدن . و " الأيدي السواطي " ، التي تسطو إليها ، أي : تتناولها معجلة شديدة الرغبة فيها . و " مشعشعة " : قد أرقها مزجها بالماء . و " الخماط " من الخمر : التي أصابتها ريح ، فلم تستحكم ولم تبلغ الحموضة .