إذ كان " الذين " مخفوضًا ، وذلك وجه من التأويل ، غير أنه إنما يقال للشيء " أوّل " ، إذا كان له آخر هو له أوّل . وليس للذين استحق عليهم الإثم ، آخرهم له أوّل . بل كانت أيمان اللذين عثر على أنهما استحقَّا إثمًا قبل أيمانهم ، فهم إلى أن يكونوا = إذ كانت أيمانهم آخرًا = أولى أن يكونوا " آخرين " ، من أن يكونوا " أوّلين " ، وأيمانهم آخرة لأولى قبلها .
* * *
وأما القراءة التي حكيت عن الحسن ؛ فقراءةٌ عن قراءَة الحجة من القراءة شاذة ، وكفى بشذوذها عن قراءتهم دليلا على بُعدها من الصواب .
* * *
واختلف أهل العربية في الرافع لقوله : " الأوليان " ، إذا قرئ كذلك .
فكان بعض نحويي البصرة ( 1 ) يزعم أنه رفع ذلك ، بدلا من : " آخران " في قوله : " فآخران يقومان مقامهما " . وقال : إنما جاز أن يبدل " الأوليان " ، وهو معرفة ، من " آخران " وهو نكرة ، لأنه حين قال : " يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم " ، كان كأنه قد حدَّهما حتى صارا كالمعرِفة في المعنى ، فقال : " الأوليان " ، فأجرى المعرفة عليهما بدلا . قال : ومثل هذا = مما يجري على المعنى = كثير ، واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الراجز : ( 2 )
عَلَيَّ يَوْمَ يَمْلِكُ الأُمُورَا . . . صَوْمُ شُهُورٍ وَجَبَتْ نُذُورَا
وَبَادِنًا مُقَلَّدًا مَنْحُورَا ( 3 )
هامش
( 1 ) في المخطوطة والمطبوعة : " فقال بعض نحويي . . . " ، والصواب ما أثبت .
( 2 ) لم أعرف قائله .
( 3 ) " البادن " : الضخم السمين المكتنز ، ولم أجدهم قالوا : " البادن " وأرادوا به " البدنة " ( بفتح الباء والدال ) ، وهي الناقة التي كانوا يسمنونها ثم تهدى إلى البيت ، ثم تنحر عنده . ولعل الراجز استعملها على الصفة ، ومع ذلك فهي عندي غريبة تقيد . و " المقلد " ، الذي وضعت عليه القلائد ، إشعارًا بأنه هدي يساق إلى الكعبة . ذكر الراجز ما نذره إذا ولى هذا الرجل أمور الناس .