عليه ! فهبطوا عليه في يد كل ملك مثل النخلة الطويلة نارًا أشد ضوءًا من الشمس ، ولباسهم كلهب النار ، إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السماوات كلهم ، يقولون بشدة أصواتهم : " سبوح قدوس ، رب العزة أبدا لا يموت " في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه ، فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم حين سبحوا ، وهو يبكي ويقول : " رب أذكرني ، ولا تنس عبدك ، لا أدري أأنفلتُ مما أنا فيه أم لا إن خرجت أحرقت ، وإن مكثت مت " ! فقال له كبير الملائكة ورئيسهم ( 19 ) قد أوشكت يا ابن عمران أن يمتلئ جوفك ، وينخلع قلبك ، ويشتد بكاؤك ، فاصبر للذي جلست لتنظر إليه يا ابن عمران ! وكان جبل موسى جبلا عظيما ، فأمر الله أن يحمل عرشه ، ثم قال : مرُّوا بي على عبدي ليراني ، فقليل من كثيرٍ ما رأى ! فانفرج الجبل من عظمة الرب ، وغشَّي ضوء عرش الرحمن جبل موسى ، ورفعت ملائكة السماوات أصواتها جميعا ، فارتجّ الجبل فاندكَّ ، وكل شجرة كانت فيه ، وخرّ العبد الضعيفُ موسى بن عمران صعقًا على وجهه ، ليس معه روحه ، فأرسل الله الحياة برحمته ، فتغشاه برحمته ( 20 ) وقلب الحجر الذي كان عليه وجعله كالمعِدة كهيئة القبة ، ( 21 ) لئلا يحترق موسى ، فأقامه الروح ، مثل الأم أقامت جنينها حين يصرع . قال : فقام موسى يسبح الله ويقول : آمنت أنك ربي ، وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا ، ومن نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه ، فما أعظمك ربّ ، وأعظم ملائكتك ، أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك ، تأمر الجنود الذين عندك فيطيعونك وتأمر السماء وما فيها فتطيعك ، لا تستنكف من ذلك ، ولا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء ، رب تبت إليك ، الحمد لله الذي لا شريك له ، ما أعظمك وأجلّك ربَّ العالمين !
هامش
( 19 ) انظر التعليق السالف ص : 95 ، تعليق : 1 .
( 20 ) في المطبوعة أسقط ( ( الروح ) ) من الجملة .
( 21 ) هكذا في المخطوطة والمطبوعة : ( ( كالمعدة ) ) ، ولا أدري أيصح هذا أم لا ؟