فأقبض ، ولكن أحب أن أراك فيطمئن قلبي . قال له : يا ابن عمران ، لن يراني أحد فيحيا ! قال : موسى رب تمم عليّ نعماك وتمم عليّ فضلك ، وتمم علي إحسانك بهذا الذي سألتك ، فأموت على أثر ذلك ، ( 11 ) أحب إلي من الحياة ! فقال الرحمن المترحِّم على خلقه : قد طلبت يا موسى ، [ وحي - ] لأعطينك ( 12 ) سؤلك إن استطعت أن تنظر إليّ ، فاذهب فاتخذ لوحين ، ثم انظر إلى الحجر الأكبر في رأس الجبل ، فإن ما وراءه وما دونه مضيق لا يسع إلا مجلسك يا ابن عمران . ثم انظر فإني أهبط إليك وجنودي من قليل وكثير ، ففعل موسى كما أمره ربه ، نحت لوحين ثم صعد بهما إلى الجبل فجلس على الحجر ، فلما استوى عليه ، أمر الله جنوده الذين في السماء الدنيا فقال : ضعي أكتافك حول الجبل . فسمعت ما قال الرب ، ففعلت أمره . ثم أرسل الله الصواعق والظلمة والضباب على ما كان يلي الجبل الذي يلي موسى أربعة فراسخ من كل ناحية ، ثم أمر الله ملائكة الدنيا أن يمرُّوا بموسى ، فاعترضوا عليه ، فمروا به طيرانَ النُّغَر ، ( 13 ) تنبع أفواههم بالتقديس والتسبيح بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد ، فقال موسى بن عمران عليه السلام : رب ، إني كنت عن هذا غنيًّا ، ما ترى عيناي شيئًا ، قد ذهب بصرهما من شعاع النور المتصفِّف على ملائكة ربي ! ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية : أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه ! فهبطوا أمثال الأسد لهم لَجَبٌ بالتسبيح والتقديس ، ( 14 ) ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما رأى ومما سمع ، فاقشعرّت كل شعرة في رأسه وجلده ، ثم قال : ندمت على مسألتي إياك ، فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء ؟
هامش
( 11 ) في المطبوعة : " هذا الذي سألتك ليس لي أن أراك فأموت " زادها قياسًا على السالف قبلها وأثبت ما في المخطوطة .
( 12 ) هذه الكلمة بين القوسين ( هكذا في المخطوطة ) . ولا أدري ما قراءتها . وأما في المطبوعة فقد حذفها وغير ما بعدها وكتب : " وأعطيتك " مكان " لأعطينك " .
( 13 ) ( ( النغر ) ) ( بضم ففتح ) : ضرب من الطير حمر المناقير وأصول الأحناك ، يقال : هو البلبل عند أهل المدينة .
( 14 ) ( ( اللجب ) ) ( بفتحتين ) : ارتفاع الأصوات واختلاطها .