الذي عناه الله تبارك وتعالى في قوله : " ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف " ، أكل مال اليتيم عند الضرورة والحاجة إليه ، على وجه الاستقراض منه = فأما على غير ذلك الوجه ، فغير جائز له أكله . ( 1 )
وذلك أن الجميع مجمعون على أن والي اليتيم لا يملك من مال يتيمه إلا القيام بمصلحته . فلما كان إجماعًا منهم أنه غير مالكه ، ( 2 ) وكان غيرَ جائز لأحد أن يستهلك مال أحد غيره ، يتيمًا كان ربُّ المال أو مدركًا رشيدًا = وكان عليه إن تعدَّى فاستهلكه بأكل أو غيره ، ضمانه لمن استهلكه عليه ، بإجماع من الجميع = وكان والي اليتيم سبيلُه سبيل غيره في أنه لا يملك مال يتيمه = ( 3 ) كان كذلك حكمه فيما يلزمه من قضائه إذا أكل منه ، سبيلُه سبيلُ غيره ، وإن فارقه في أنّ له الاستقراضَ منه عند الحاجة إليه ، كما له الاستقراض عليه عند حاجته إلى ما يستقرض عليه ، إذا كان قيِّمًا بما فيه مصلحته .
* * *
ولا معنى لقول من قال : " إنما عنى بالمعروف في هذا الموضع ، أكل والي اليتيم من مال اليتيم ، لقيامه عليه على وجه الاعتياض على عَمله وسعيه " . لأنّ لوالي اليتيم أن يؤاجر نفسه منه للقيام بأموره ، إذا كان اليتيم محتاجًا إلى ذلك بأجرة معلومة ، كما يستأجر له غيره من الأجَراء ، وكما يشتري له مَن يعينه ، ( 4 ) غنيًّا كان الوالي أو فقيرًا .
وإذ كان ذلك كذلك = وكان الله تعالى ذكره قد دل بقوله : " ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف " ، على أن أكل مال اليتيم إنما أذن لمن أذن له من وُلاته في حال الفقر والحاجة = وكانت الحالُ التي للولاة
هامش
( 1 ) في المخطوطة " له أكلها " ، وهو من سهو الناسخ .
( 2 ) في المخطوطة : " إجماعًا منه " ، وهو أيضًا من سهو الناسخ .
( 3 ) السياق : " فلما كان إجماعًا منهم . . . كان كذلك حكمه . . . " وما بينهما عطف وفصل .
( 4 ) في المطبوعة : " وكما يشتري له من نصيبه " ، ولا معنى لذلك ، وهي في المخطوطة غير بينة ، واجتهدت قراءتها كما أثبتها ، أي يشتري له رقيقًا يعينه .