يدل على أن الآية معناها الخصوص ، وأنها - إذ كان الأمر كما وصفنا - نزلت فيمن كفر من النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وفيمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من عبدة الأوثان الذين لم يكونوا مقرين بنبوة عيسى ، وسائر الملل التي كان أهلها يكذِّب بعيسى .
* * *
فإن قال قائل : أو كانت النصارى على حق قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم فكذَّبوا به ؟
قيل : من كان منهم على ملة عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فكان على حق ، وإياهم عنى الله تعالى ذكره بقوله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) [ النساء : 136 ] .
* * *
فإن قال قائل : فهل يحتمل أن يكون قوله : " والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونكم من النور إلى الظلمات " ، أن يكون معنيا به غير الذين ذكر مجاهد وعبدة : ( 1 ) أنهم عنوا به من المؤمنين بعيسى ، أو غير أهل الردة والإسلام ؟ ( 2 ) .
قيل : نعم يحتمل أن يكون معنى ذلك : والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يحولون بينهم وبين الإيمان ، ويضلونهم فيكفرون ، فيكون تضليلهم إياهم حتى يكفروا إخراجا منهم لهم من الإيمان ، يعني صدهم إياهم عنه ، وحرمانهم إياهم خيره ، وإن لم يكونوا كانوا فيه قبل ، كقول الرجل : " أخرجني والدي من ميراثه " ، إذا ملك ذلك في حياته غيره ، فحرمه منه حظَّه = ( 3 ) ولم يملك ذلك القائل هذا
هامش
( 1 ) في المطبوعة : " مجاهد وغيره " . وهي في المخطوطة : " عنده " غير منقوطة وإنما عنى عبدة ابن أبي لبابة ، كما في الآثار السالفة ، وما بعدها .
( 2 ) في المخطوطة والمطبوعة : " الردة والإسلام " وهو هنا عطف لا يستقيم ، فإنه إنما عنى المرتدة عن الإسلام .
( 3 ) في المطبوعة : " فحرمه منه خطيئة " ، وهو كلام خلو من المعنى . وفي المخطوطة : " فحرمه منه حطه " غير منقوطة ، وكلها فاسدة . أن المعنى : إذا ملك الميراث غير أبيه ، فحرمه حظه من ميراث أبيه . والحظ : النصيب .